أمام تلك الصدمة وقفت هي فاقدة للنطق وبالكاد تستطيع التنفس، صدمات وآكاذيب كثيرة، لكن أيها تصدق؟ لا مجال للتصديق بعد هذه اللحظة.
"ايه اللي بيحصل هنا؟"
جاهدت لسانها لينطق بهذه الجملة التي خرجت من بين شفتيها على هيئة سهام حادة عصفت بثبات هذان اللذان ظنا أنها ستركض لوالدتها باكية لكونها سليمة معافاة، لكن ذلك الجمود الذي صاحب جملتها المستنكرة جعلت التوتر يرتسم على ملامح والدتها ونظرت نحو "جاسر" متوسلة، فأومأ لها بجفونه ثم إقترب من "أيسل" يمد لها يده قائلاً بنبرة هادئة :
"تعالي يا أيسل أقعدي وأنا أفهمك كل حاجة "
نفضت "أيسل" يده بقوة وصرخت بملأ صوتها :
"تفهمني أيه! تفهمني ليه كدبتوا عليا؟ هو أنا لعبة في أيديكم معنديش مشاعر عشان كل شوية أكتشف أن حياتي من أولها لأخرها كدبة! ويا ترى بقى لقائنا وجوازك مني كان من ضمن اللعبة يا أستاذ جاسر؟ أنا مش فاهمة أنتم أزاي تعملوا فيا كده! أنا عملت أيه عشان كل ده يحصلي في حياتي؟ هو أنا مستحقش أعيش حياة هادية ومسالمة من غير كدب ونفاق! اللي أنا بطلبه ده كتير."
أخفض "جاسر" رأسه في خذي، فيما هتفت والدتها برجاء :
"أهدي يا أيسل وأسمعيني أنا، أنا اللي قولتله يخبي عليكِ أنتِ وعمر، جاسر ملوش ذنب..تعالي جنبي يا بنتي وأنا أفهمك.. "
حركت "أيسل" رأسها نفيًا بقوة ودموعها تفيض دون هوادة، ثم قالت بنبرة ممتزجة بالأسى :
"ليه كدبتي عليا وفهمتيني أنك مريضة ومبتتكلميش ولا تتحركي؟ مصعبتش عليكِ وأنا قاعدة تحت رجليكِ بترجاكِ تكلميني كلمة أو ترفعي أيدك تحطيها على راسي؟ زعلانة إن جاسر كشفلي كدبك وخداعك لينا؟ ومزعلتيش عشان عيشت طول حياتي من غير أم وكنت ماشية أدور بإستماتة على أي حضن حنين عليا...مفيش حاجة هتقوليها هتهون عليا صدمتي فيكِ وفيك أنت كمان."
بكت والدتها أيضًا بخذي ثم هتفت بحسرة دون أن تتحكم في نفسها :
"عشان أنا فعلاً مريضة يا أيسل...أنا بموت، مكنتش عاوزاكِ تتعشمي فيا وتتعلقي بيا وأنا اللي لسه باقي من عمري أيام قليلة، شايفة أنكم كويسين من غيري ومكنتش عاوزة أكسر بخاطرك أنتِ وأخوكِ وتعيشوا حزنكم عليا تاني بعد ما قلوبكم أتعلقت بيا، عارفة أني غلطانة بس غصب عني مش هقدر أموت مرتاحة وأنا عارفة قد أيه هيكون صعب عليكم موت أمكم للمرة التانية وأنتم مفيش في أيدكم حاجة تعملوها "
كان حديثها كالسوط نزل على قلبها فمزق ما تبقى منه من ثبات، بالفعل أرادت الركض لها وإحتضانها ثم البكاء بحرقة مخرجة كل ما يكبته صدرها، لكن ذلك الحديث زاد الأمر سوء...ما معنى أنها ستموت! هل الخذلان بهذه البساطة؟ لا تموتي..ليس الأن على الأقل..أريد الشعور بحنين الأم أنا أيضًا..أنا أيضًا أريد أن تكون لي أمًا..لا تموتي..
