كانت الساعة قد تجاوزت الثانية عشر بعد منتصف الليل بالفعل ، أضواء المنزل كلها مغلقة ، عدا ذلك الضوء الخافت الذي ينبعث من المصباح الموضوع علي جانب الفراش.
دلف "عمر" لدورة المياة بعدما ملأ حوض الإستحمام بالماء الدافئ وأشعل بعض الشموع العطرية لتمنح له بعض من السلام النفسي الذي أفتقده ذلك اليوم عندما حدثه "جاسر".
أخذ نفس عميق ثم نزل في حوض الإستحمام حتي غطي الماء جسده كله ، مر قرابة الخمس دقائق ولم يرفع رأسه من الماء ، لو كان أحدهم يسكن رفقته لظن أنه يحاول قتل نفسه.
إندفع أخيرًا بجسده العلوي خارج الماء يتنفس بعنف ويزيح قطرات المياه عن عينه بينما يضرب عقله ذكريات ذلك اليوم عندما رحل "جاسر" وجلس هو يتأمل تلك الورقة المدون عليه بضع أرقام.
إنتفض من مكانه ثم ركض خارجًا يبحث عن سيارة أجرة كـالمجنون حتي وصل لذلك المكان ، عاد للمنزل بعد ذلك يحمل صندوق صغير بين يديه لم يشأ ان يفتحه هناك ، بل فضل أن يكون وحيد لأنه لا يضمن ماذا سيكتشف داخله
وضع الصندوق علي الطاولة أمامه وأخذ يتأمله لبعض الوقت يهيئ نفسه للحقيقة المُرة التي أخبره عنها "جاسر" ليقرر أخيرًا أخذ نفس عميق وإشباع رغبته المستميتة لمعرفة قاتل روحه..
"ثلاث رسائل ، إثنان باللون الابيض ، وواحدة باللون القرمزي ، سكين قابل للطوي ، قداحة ، قرط نسائي ، وأخيرًا وليس آخرًا خاتم زواج.."
فتح إحدي الرسالتين وقد كانت لوالدته..
"صغيري الحبيب عمر ، أترك لك هذه الرسالة علي مر السنين..ربما عندما تجدها لن أكون موجودة لأشهد كم كبر طفلي وأصبح رجلاً وسيمًا كـوالده ، أعتذر لأنني سأرحل باكرًا وستغدو وحيد ، لكن كل شيء يهون لأجلك حبيبي ، إن كان الأمر يتعلق بك لرغبتُ الموت الف مرة لأجل أن تعيش أنت..لقد حان الوقت لتتقدم للأمام وتنسي الماضي ، حتي إن كان يؤلم لكن ستعتاد ، جد لك فتاة جميلة تشبهك وإصنع معها من الذكريات السعيدة ، فتاة تستطيع تحمل تقلباتك أثناء النوم ، سأترك لك تلك الأقراط التي توارثتها عن والدتي ، وخاتم زواجي لتقدمه لها...كن بخير حبيبي.."
إنتهت الرسالة وأنتهت معها دموعه كذلك ، إرتجاف شفتاه الباكية وألم الإشتياق في قلبه قد فتك به لأبعد الحدود...
"اسف يا أمي لن أستطيع فعل هذا ، لن أتجاوز الأمر ، ولن أعيش بسلام..حتي إن كنت أسير نحو هلاكي سأركض بكل سرور ، سأخذ إنتقامي وبعدها سألحق بكِ.."
لم تكن رسالة والده له بأقل تأثير عليه من رسالة والدته..، الغريب في الأمر أن لا شيء في الرسالتين يلمح لوجود قاتل كما قال "جاسر"..
أمسك الرسالة القرمزية وأخذ يتأمل فيها لبعض الوقت ، ينبعث منها رائحة حديثة يستحيل أن تستمر علي مدار تلك السنوات..كما أن جودة الورقة جيدة وقد صُنعت حديثًا..
