حين ارتدت ملابسها هذا الصباح ونظرت في المرآة، مر خلفها
لم يكن هناك حقاً لكنها شعرت به واقفًا خلف كتفها ، ينظر إلى عينيها ويبتسم بتلك الطريقة الساخرة التي يختبئ الكثير خلفها.
حين جلست على الطاولة مع داهي ، رأته يجلس في المقعد المجاور بذات الهيئة ، بنفس الطريقة التي جلس بها الليلة الماضية حين أصر على تناول العشاء معها
وكأن الغياب لم يبدد عاداته بل رسخها في تفاصيلها
هو لم يخرج منها يومًا ، لا حين سجنها في غرفة المدرسة، ولا عندما تركها تبكي في قسم الشرطة وغاب سنوات ليعود وفي جيبه كل ما وجب أن يُنسى
حتى الورود التي أحضرها
عندما وزعتها في أوعية الماء ، فعلت ذلك بحذرٍ مريض ، كأنها تلامس رقبته لا أزهارًا تخاف أن تموت سريعًا ، وتمنت لو ماتت هي بدلًا منها.
تمنت للحظة واحدة أن تُغرس الأشواك في قلبها ، وتُميت ذلك الجزء الذي صدق أنه قد يبقى ، أنه قد يعود رجلًا لا عقابًا من أجلها.
في منزلها ، لم تعد تملك له معطفًا واحدًا بل اثنين، من زيارتين مختلفتين ، من وعدٍ واحد كُسر مرتين.
كانت تؤمن أن كل هذا سينتهي وأنه لن يعود.
وأمنت لوهلة مرعبة، أنها ستبدأ هذا الصباح مرحلة جديدة من الوحدة ، لكنها ليست وحدة عادية بل تلك التي تأتي بعد رجلٍ جعل كل شيء باهتًا بعده، رجل كانت تناديه في الظلام ، تصرخ اسمه وتبكي وهو لا يأتي.
لكن رسالته هذا الصباح نفت كل شيء.
لم يهتم إن كرهت كل كلمة فيها.
لم يكتب ليثير إعجابها أو يقول ما تود سماعه.
كتب ليُترك فيها كما كان دومًا، عالقًا في تلك المنطقة الرمادية من شعورها، لا حبيبًا ولا غريبًا، فقط رجل تعرف جيدًا أنها لن تنساه.
يدها اهتزت على الهاتف ، مثلما فعلت وهي تمسك بتلك الورقة التي مزقتها بعنف كما لو تمزق حبلاً كان يلتف على عنقها ، ومع هذا بقي صوته يتردد في عقلها
"كنتِ نائمة بين يدي..."
"ناديتي علي وكأنكِ تائهة..."
"ساعة كاملة لا ألمسكِ، لكني أراكِ..."
تذكرت صوت داهي الذي عاد من المطبخ ، خفيفًا ، مترددًا"هل قال شيئًا يجعلكِ تبكين؟"
ولم تجبها.
لم تكن تبكي.
فقط جلست هناك وعيناها معلقتان على جملته "أخاف أن ألمسكِ وأفسدكِ"
