36

1.4K 77 159
                                        










ذراعاه قويتان تحملانها بثباتٍ لا يتزعزع، وكأنها تنتمي إليه منذ الأزل.

خطواته واثقة ، ثابتة ، تهتز معها بخفةٍ جعلت الأرض تتلاشى من تحت قدميها ، وكأن ليس لها وجود ، وكأنها تحلق في فضاءٍ ليس له حدود

لم تبتعد عن عنقه ، لم تحاول ، بل دفنت وجهها في كتفه ، تاركةً عبيره يتسلل إلى أعماقها

فوضى عطره بعثرت أفكارها ، عرت ضعفها الذي طالما حاولت إخفاءه

شعرت بحركة عضلاته ، بقوة ذراعيه التي لم تتراخى لحظة ، بالدفء الذي تسلل من جسده ليحرق كل حواجزها

ممر قصير يفصلهما عن غرفة المعيشة لكنه بدا كأبدية بين ذراعيه بسبب خطواته الهادئة ، كما لو أراد أن يطيل هذه الرحلة القصيرة

رائحة الزهور التي أحضرها قبل ساعات كانت عالقة في الهواء ، اختلطت بعطره وخلقت مزيجًا لا يُقاوم

رائحة حملت شيئاً من الحنين ، شيئاً من الأمل ، وشيئاً من الألم الذي لا تعرف سبباً له

لم يكن هناك سوى ضوء خافت ينبعث من المصباح الصغير بجانب التلفاز البعيد ، أما بقية الأنوار فقد أطفأها ، وكأنه أراد للعتمة أن تلتف حولهما ، أن تمنحها حجة أخرى لعدم الإفلات في حال قررت الهرب منه

الرعب تسلل إلى قلبها ، رعب لم يكن سببه المجهول الذي تحمله خطواته ، بل الذكريات التي استيقظت لتلتف حول عنقها وتأبى الرحيل

ذات الممر ، ذات الظلمة ، لكنها لم تكن هنا ، بل في ذلك المستودع الذي حُبست فيه قبل عشر سنوات

نفسه الجسد ، نفس الشخص الذي انقذها

كانت تراه مثلما كانت تراه آنذاك

عيناه كانتا غامقتين ، مثل تلك الليلة
يداه كانتا حولها ، مثل تلك الليلة
الظلام كان كثيفًا ، مثل تلك الليلة

لا

أجبرت نفسها على العودة إلى اللحظة الحالية

إلى صدره الذي تشعر بنبضه تحت وجنتها

لكن عقلها لم يكن مستعدًا للامتثال

ظلت صور متداخلة تنبض خلف عينيها

صرخات ، صوت سلاح يخترق الهواء ، بقع دماء تناثرت على الأرضية ، أصابعها المرتجفة التي أمسكت بحافة الباب وهي تهرب ، اسمها الذي نطق به بصوتٍ لم تكن تعرف ما إذا كان غاضبًا أم خائفًا

Back to black حيث تعيش القصص. اكتشف الآن