٥٨

174 9 2
                                        



مرت الدقائق وكأنها ساعات، والسكوت اللي في الممر ورا باب غرفتها صار يهمس لها بكل الأسئلة اللي ما قدرت تنطقها. قامت ببطء
وغسلت وجهها بماء بارد وكأنها تبي تطفي النار اللي شبت في صدرها. طالعت نفسها في المراية، وشافت بنت غريبة عنها؛ بنت عيونها ذابلة بس فيها شرارة إصرار غريبة.
رجعت تمسك "اللابكوت"، ومررت أصابعها على أطرافه البيضاء اللي كانت تحلم إنها تنكرف فيها بممرات المستشفى، مو تتبلل بدموع الخيبة.
"ليه واثق بنفسه كذا؟ ومن أعطاه الحق يقرر عني؟" همست لنفسها وهي تفتح اللابتوب، والأفكار بدأت تتشابك في راسها. هل تهديد ملهم مجرد محاولة كسر جناح؟ ولا فعلاً فيه خيط مفقود في سالفة أبوها؟
فجأة، تذكرت نبرة صوت أبوها في آخر مكالمة.. ما كان مجرد شوق، كان فيه "خوف" مكتوم، خوف ما فهمته إلا الحين وهي تسترجع كلمة ملهم: "يمكن يكون متأخر".
ما قدرت تظل محبوسة بين أربع جدران أكثر. طلعت للممر بحذر، وكان البيت هادي بشكل يخوف، بس فيه ضوء خفيف جاي من مكتب ملهم في آخر السيب.
مشت بخطوات ما تنسمع، وقلبها يدق بقوة وكأنه يبي يطلع من مكانه. وقفت قدام الباب وهو "موارب"، وشافته.. ما كان هذاك الرجل المتسلط اللي واجهها قبل شوي. كان جالس ودافن وجهه بين كفوفه، وأوراق واجد مبعثرة قدامه.
فجأة، رفع رأسه وكأنه حس بوجودها، والتقت عيونهم من فتحة الباب. ما عصب ولا أمرها ترجع لغرفتها، بل قال بصوت مكسور أول مرة تسمعه منه:
لو كان الخيار بيدي يا روح، كان تركتك تعيشين بياض حلمك.. بس السواد اللي حولنا أكبر من إنه يتغطى بلابكوت.
تجمدت في مكانها، كلماته جرحتها في العمق لأنها حست بصدقها لأول مرة. شدت على يدها وقالت بصوت حاولت تخليه قوي: علمني وش هالسواد اللي تتكلم عنه.. لا تخليني أحارب عدو مجهول وأنا أحسب إنه أنت

ابتسم ملهم بمرارة، وقام من مكانه ببطء وهو يطفي زقارته اللي نساها في الطفاية. مشى جهتها وعيونه تعكس تعب سنين مو بس تعب هالأيام. وقف قدامها، والمسافة اللي بينهم كانت مليانة عتب، وخوف، وأشياء ما تنقال.
مد يده لدرج المكتب وسحب ظرف أبيض سادة، ماله أي ملامح بس وقعه على قلب روح كان ثقيل.
ملهم بصوت هادي ومرعب :هذا اللي كان أبوك يبي يحميك منه.. وهذا اللي خلاني أحط الحارس تحت بابك وأمنعك حتى من المستشفى. افتحيه يا روح، بس تذكري.. الرجوع لمنطقة الجهل بعد هاللحظة مستحيل.
تراجعت روح خطوة ورا، طالعت في الظرف وكأنها تشوف وحش يبي ينهشها. يدها بدأت ترجف وصوت أنفاسها صار مسموع.
روح بصوت مخنوق :ما أبيه.. خله معك، أنا أصلاً وش دراني إنك ما تبي تخدعني؟ ليه الحين؟ وليه بهالطريقة؟"
ملهم قرب منها وغمض عيونه بقهر:
لأن الوقت خلص.. ولأن الناس اللي غدروا بأبوك صاروا يمشون في شوارع لندن ويدورون على الخيط  اللي يوصلهم لي.. وهذا الخيط هو أنتي!
رمى الظرف على الطاولة القريبة منها، والتفت يعطيها ظهره وهو يلبس جاكيته الأسود الثقيل، ويعدل سلاحه "المخفي" تحت الجاكيت بلمحة سريعة ما تبيها تلمحها.
روح :فزت من مكانها:على وين؟ ملهم لا تخليني هنا والباب مقفل.. أنا أموت من الخوف لحالي!"
التفت لها بملامح جامدة، ملامح "الضابط" اللي نسي إنه زوجها في هذي اللحظة:
ملهم: "عندي شغل لازم يخلص الليلة. الحارس اللي تحت معه أوامر يطلق النار على خيال أي أحد يقرب من الباب.. لا تفتحين لأحد، ولا تطلين من الشباك. والظرف هذا؟"
أشر بصباعه على الظرف اللي يلمع تحت الضوء الخافت:
اعتبريه وصيتك لو ما رجعت.. إذا طال غيابي عن الفجر، افتحيه وتصرفي!
طلع وقفل الباب وراه "بالمفتاح"، وترك روح في وسط الصالة والبرد ينهش عظامها. سمعت صوت سيارته وهي تمشي بسرعة، وبقت هي والسكوت.. والظرف اللي صار يطالعها من فوق الطاولة وكأنه يتحداها.
مشت ببطء، ومدت يدها تبي تلمسه، بس تذكرت كلمة "متأخر"
وسحبت يدها بقوة ودموعها نزلت:
"والله ما أفتحه.. يا رب يرجع بس عشان ياخذ أسراره معه، ولا أضطر أعرف وش اللي سواه أبوي وخلاه يروح من يديني!"
رمت نفسها على الكنبة وهي تضم شماغ أبوها، وعيونها معلقة على عقارب الساعة اللي بدأت تمشي ببطء يقتل.. بانتظار فجر، يا يرجّع لها ملهم، يا يفتح لها أبواب الاساله اللي ماتلقى لها اجوبه!

لقد وصلت إلى نهاية الفصول المنشورة.

⏰ آخر تحديث: Apr 22 ⏰

أضِف هذه القصة لمكتبتك كي يصلك إشعار عن فصولها الجديدة!

وكيف يبعد مني من جعلت له صميم قلبي على علاته وطناقصص لتهوسّ بها. اكتشف الآن