لا زالت على حالها لمدة تلف قدميها الى صدرها التي صارتا تنبضان كنبض قلبها اثر احتضنها لهما بجانبه و قد تبلل الجزء العلوي لقدميها بفعل السيل الجارف من الدموع التي اصبحت تذرف بدون توقف او جفاف حتى في موت والديها لم تبكي لهذه الدرجة ، ربما لانها لم تكن تختلط معهم كثيرا بل كانت تضل عند جدتها روزالي و ربما لانهما نقشا بحروف من حبر على ورق النسيان ، اما الآن فالالم جديد و مصدره جرح نازف باحشاء الفؤاد وبينما هي تحارب انينها لكي لا يخونها و يخرج ليعلن ضعفها لمحت سيارة رمادية اللون تقترب من البيت بدت لها كطوق النجاة ، انها ليست سيارة ذلك السافل لان خاصته سوداء . طلبت الله في سرها ان يكون احد غيره ينتشلها من هذا المكان الوسخ و قد كان لها ما طلبت فقد خرج ريان من السيارة بعد ان اوقفها بجوار المنزل و سعى اليها بحيرة لحالتها المزرية و عينيها المتورمتين من كثر البكاء ، انحنى لمستواها و التقط ملامحها الشاحبة
-نسمة !!ما بك هل انتي بخير ؟
-ارجوك ريان خذني من هنا
-ولكن لدي امر مهم يج....
-(قاطعته برجاء و توسل) ارجوك خذني من هنا اتوسل اليك
انفجرت باكية و شهقاتها تتعالى فساعدها على الوقوف ، ثم ركبا السيارة وانطلقا بها
كانت تنضر طوال الطريق الى النافذة و دموعها تغرق وجهها الشاحب ، لم يرد ريان ان يزعجها فقد فهم من حالتها ان مصيبة كبيرة حلت عليها ، اخذها لمنزل جدتها التي استقبلتها بلهفة و اشتياق بالمقابل ارتمت نسمة بحضنها تنتحب بشدة حضها التعيس و شرفها الملطخ ببقعة سوداء لن يمحوها الزمن و لن تنغع معها اقوى سبل النسيان بل ستضل شائبة عالقة بالذهن و جرح مفتوحا على المدى الازلي .
ادخلتها الجدة الى غرفتها بعض ان هدأت من روعها و خرجت الى ذلك المتعجرف الذي خشي ان تتسخ بذلته ان جلس على تلك الاريكة القديمة ، رمته الجدة روزالي بنظرة نارية وهي تتمتم
-الله اعلم بما جرى لها
-و انا ايضا لا اعلم
-اها اكيد انا من كنت معها قبل ان تأتي الى هنا
-انا مظطر لان اذهب الآن عندما تستيقظ فلتطمأني عليها
-فلتطمأن على زنزانتك افضل لك (قالتها بهمس)
-ماذا قلتي يا جدتي ؟
-لا شيء ،رافقتك السلامة
-الى اللقاء
-وداعا
خرج من ذلك الحي التقليدي بسيارته الفاهرة و هو ينظر بتقزز للاطفال الذين اصطفوا ينظرون لسيارته بمزيج من الذهول والاعجاب ونكهة من الحزن لانهم يعلمون جيدا ان من الصعب على اباءهم ان يمتلكو ولو مقود مثل هكذا سيارات .
عاد باسل الى البيت بعد أن تأكد من أن ريان قد اصطحبها معه . لثانية كان سيخرج من وراء المنزل من حيت كان يراقبها و يفتك بلحم ذلك الذئب البشري و يختطف نسمة للأبد. أحس أن البيت مضلم رغم أنه الصباح، احس بأيدي تخنقه من الوراء ببطأ قاتل، التفت وراءه فرأى وجهها بدموعها المنهمرة على وجنتيها.
صعد الى غرفته يهرب من خياله وتأنيب ضميره لكنه وجدها أيضا بجسدها العاري على سريره تبكي بحرقة.
خرج بفزع وركب سيارته ثم حركها بإتجاه العاصمة دون وعي منه، كانت وتيرة انفاسه تتسارع، إنه يسمع ضحتها، يراها بالمقعد المجاور له ، ضل يحدق بها حتى سمع صوت زامور شاحنة كبيرة كادت تسحق سيارته تحت عجلاتها الضخمة التي تعادل حجم سيارته بأكملها وقد تفاداها بصعوبة فائقة ،واستقر بسيارته على جوانب الطريق وهو يضرب المقود بسخط .....
وصل بعد مدة و استقر باحد الفنادق ، يريد ان يستنشق من نفس الهواء الذي تستنشقه نسمة ، قلبه يعصف باسمها مع كل نبضة و عروقه تطلبها مع كل ضخة ، حتى عيناه باتت تراها في كل ركن و زاوية و اذناه لا تسمع غير صوتها الناعم ،اما انفه فقد صام عن كل الروائح دون خاصتها المفعمة بالحياة .
بعد ساعة من الاضطراب خرج و رجلاه تقوده الى حيث هي تقطن مع جدتها فقد كان يراقبها و يعلم كل شيء عنها ، دخل الى ذلك الحي و هو يرتدي سترة جلدية سوداء و سروالا من خامة الجينز الفاتح اضافة الى نضاراته السوداء التي لا تفارقه فتحجب ما يعتمل من الم و تأنيب ضمير داخل مقلتيه بلون العسل العشبي ...
تسمرت عيناه عند باب ذلك المنزل الشديد القدم و ضل يتردد بين الدق من عدمه ، ولكن من انا لازورها ؟ مجرد محتال فاشل افقد فتاة بريئة عذريتها ؟ تذكر ما فعله ليلا و احس بذرات جسدها تنزف الما و احمرت عيناه و قد تثاقلت انفاسه بشدة حتى احس بالدوار فرجع الى الغرفة التي يحجزها بذلك الفندق المتوسط
لم تجفل له عين و لا هنأ له خاطر فكلما خضعت خلاياه لسلطان النوم اتخذ القلب دور العقل تعسفيا و ارسل سيالات عصبية مؤلمة تمنع النوم ..
اما هي فأقل ما توصف به حالتها مزرية ، حاولت الجدة الحديث معها لكنها كانت ترفض بقسوة و تعود الى حالتها الهستيرية من البكاء . في الليل اتخذت من سريرها مدفنا لرأسها تكتم به شهقاتها و بعد ان اهلكها البكاء و الانتحاب ، لفت يديها حول قدميها و انكمشت على نفسها بهيأة الجنين
"لماذا فعلت هذا يا باسل لماذا ؟ لقد كنت مستعدة ان اتخلى عن حياتي من اجلك لكنك حطمتني بكل برود ..انت سافل سافل ساااااااافل "
و بدأت بالصراخ بصوت عالي و هي تردد كلمتين اثنين لا غير لهما "اكرهك باسل"
فزعت الجدة روزالي لصوت حفيذتها العالي و لكن اذنها التقطت كلمة فقط "اكرهك" فاشفقت على صغيرتها و هي تتخيل ما فعل بها ريان هذه المدة التي كانت غائبة عن المنزل فترجع محطمة و منهارة بهذا الشكل الرهيب
حاولت ان تفتح باب غرفتها لكنها لم تستطع فبقيت تطلب منها ان تهدأ و تفتح لها الباب لكنها لم تمتثل لطلبها بل انغمست في سريرها مغشيا عليها من اعصابها المتوترة بحدة و نامت على هذه الحال.
في منظر الفجر خرج باسل يركض بغضب يحاول ان يتخلص من هذا العذاب الذي يحس به و ضل قرابة الساعة يجوب بالشوارع ركضا دون ان يهزه به ذلك و لو شعرة و وجد نفسه اخيرا بذلك الحي المهمش ، يبدو انه لن يقوى على تأثيرها ،يحس انه منوم مغنطيسيا فيهرع اليها بدون شعور مسلوب العقل .
وقف امام المنزل يتأمله في حنين ، ها هو الآن يندم بشدة على ما اقترفته يداه و يتمنى لو انه لم يمسسها قط لو قطعت يداه لحد الله على ذلك الف مرة.
كان صوت دخيل يصدع في دنيا هدوءه فالتفت بحاجبين مقطبين الى صاحب الصوت فوجده عجوزا في السبعين من عمره يتجه اليه بالكلام
-مرحبا بك يا وسيم هل انت تبحث عن احد ما انا متأكد من انك لست من شباب الحي (رمقه بنظرة تفحص)
-مرحبا سيدي ، لا ابدا انا فق....
-لا عليك بني يبدو انك تبحث عن غرفة للايجار اليس كذلك
-(و كأن مصباحا اضاء في عتمة دماغه) اه اجل اجل هذا ما اردت قوله
-اتبعني الى بيتي المتواضع
مشى وراءه بخطى متعثرة و عيناه لا تنحاز عن بيت نسمة وجدتها ، بعد و هلة وجد نفسه داخل بيت صغيرلكنه نضيف و جميل نوعا ما فوافق بسرور ان يسكن مع هذا الهرم اللطيف مقابل ايجار بخس المهم ان يكون قريبا الى نسمة التي سلبت عقله و روحه و قلبه و كيانه اجمع
أنت تقرأ
احببت رهينتي
Romanceلن اصف لكم القصة ادخلو و اطلعوا عليها بانفسكم 😊😊❤❤ الكاتبة :ايمان والشيخ المحررة: مريم بومنكار لقراءة القصة على الفيسبوك التحقوا بالمجموعة : https://m.facebook.com/groups/192821757879546?ref=bookmarks حسابي على التويتر https://twitter.com/oucheikh...
