في اليوم التالي كنت أستعد للذهاب إلى الكلية، يوم آخر في هذه الحياة الجميلة البائسة أمل آخر، فرصة أخرى، نور آخر وظلام أيضًا، وقت إضافي إلى الرحلة نقضيه في شقاء أو في هناء، الرحلة التي مهما طالت حتما ستنتهي ! ركض متواصل لا ينقطع من أجل الوصول لأشياء زائلة، وماذا يُضيرنا لو عرفنا النهاية قبل البداية؟ هل كنا نتكلف عناء المعيشة من الأساس؟ هل ننعم بالعيش إذا ما عرفنا الغيب؟ إذا ما تيقنا من أقدارنا ؟ هل نسعد إذا ما كان كل منا يمسك بكتاب سُجلت فيه حياتنا مُسبقًا، فإذا ما جاء الصباح كان كل ما علينا هو تطبيقه حتى المساء؟ وما هو حقيقة الشعور مع اقتراب الأجل ؟ هل نفرح بالفراق؟ أم نسعد به ونستعد له ؟ هل كان يُحدث فرقا في حياتنا؟ أم أن متعة الرحلة كلها في الغموض ؟ في الأمل والتمني؟ في الترقب والمغامرة؟ هل كنا سنطبق ما نقرأه في هذا الكتاب عن رضا؟ أم نعترض عليه لنخط بأيدينا مصائر أكثر بؤسا بكل جهل وغباء؟في وسط كل هذا كنت دوما أتذكر صدق عين يونس وهو يقول «أنا أصدقك وأدعمك..»، أليس رائعا أن تجد من يصدقك ويدعمك في الحياة؟ هل كان يقصدها حقا؟ أم أن هذه أعراض الفراغ العاطفي اللعين ؟ لم أصدق مشاعري التي بدات تميل إليه كل هذا الميل ! هل التفت إليه قلبي؟ هل نجح يونس في هذا بالفعل دون جهد ؟ ولكن لم لا وأنا التي تبتاع لافتة أنا أتبع قلبي وتعلقها على جدران غرفتها في فخر، ثم تنظر إليها بإصرار وتقول نعم أنا أتبع قلبي بكل شجاعة» ، «أنا محاربة». الغريب أن عقلي بدأ ينحاز إليه ويصدقه ! لكني لم أحبه بعد، فقط بدأت أراه بشكل مختلف... وليكن ما يكن، أنا فقط لا أريد حيرة مرة ثانية في حياتي؛ فقد تعلمت الدرس جيدا، لن أفلت زمام قلبي أبدًا إلا بعد تقديم الطرف الآخر كافة شروط الأمان،أعلم أنني أخدع نفسي بلا شك، ليس هناك ما يسمى بالأمان في الحب أو في صحبة البشر، القلوب عادة متقلبة لا عهد دائم لها،ألم تُسمى قلوبا من فرط تقلبها ! الله سوف يبصرني. كان هذا حديثي الصامت بين قلبي وعقلي، أعلم أنها لن يتفقا أبدًا.. أعلم ذلك، لكنني لم أبال بحوارهما، فتحت هاتفي لأجد رسالة من يونس
ـ لابد أن نتحدث اليوم لأمر هام
تبسمت فرحة وأرسلت له
أنا في الطريق إلى الكلية.. أراك هناك .
فتحت حقيبتي لأخذ شيء منها، فوجدت الوردة البيضاء الذابلة قد جفت تمامًا، أمسكتها وبقيت أنظر إليها، فأسنعيد صوت المرأة التي كانت تهمس باسمي ولم يكن لها وجود! ألقيتها بعيدًا عني فسحقتها على الفور سيارة جاءت مسرعة في نفس اللحظة ، سعدت بذلك وكأنني أرى ذلك الكابوس اللعين ينسحق أمامي. استقللت سيارة أجرة، وعندما وصلت الكلية ودخلت فناءها، كان شيئًا غير طبيعي يحدث بين الطلبة، التجمعات في الفناء كثيرة، على غير العادة يتهامسون، رأيت الدكتور قابيل يعطي «العم سيد» نقودا كعادته، فهو يشتهر بكرمه مع الجميع، هل ما زال ما حدث معي حديث الكلية؟ رأيت حنين تشير إلى من بعيد، ذهبت إليها فرأيت عينيها لامعة إلى حد كبير، جذبتني من يدي بعيدًا عن الطلبة وقالت كمن تعلن عن خبر حصري..
أنت تقرأ
النوم الاسود
Terror{ ليلة ظهور شبح غرفة الموسيقى } تصعد فريدة إلي الدور الثالث بمبنى كلية التربية الموسيقية، وتحديدًا أمام باب غرفة الموسيقى المهجورة، حيث تبدأ في تذكر كل شيء، لكن ما تتذكره أو تراه أو تحلم به لا يخصها. إنما هو مجرد مفتاح لكشف كل ما حدث وكل ما قد يحدث...
