19

4.5K 153 87
                                        

...

في بيت جديد لأول مره نزورة..
بيت من بين البيوت  الطينيه اللي ساكنين فيها "أم سامي" و"أبو سامي" وولدهم سامي. 

جلسوا الثلاثة على سفرة الفطور، صوت تحريك الدلال وصب القهوة يملأ الجو، والخبز الحار يطلع من صحنه ريحة تشهي. 
لكن "أم سامي" كانت ساكته، وعينها غايبه في شي ما حد يقدر يوصله.

كان "سامي" الصغير ياكل بلقمة وحده وهو يطالع أمه من طرف عينه، أما  أبو سامي حط الدلة على جنب وقال بصوته الهادي: وش فيك ساكته يا أم سامي؟ من صبح الله وانتِ ما نطقتي بكلمة، عسى ما شر.

رفعت  ام سامي  راسها ببطء، ونظراتها شاردة، ثم تنهدت وقالت: تدري من اللي ولدت امس؟ 

:  من؟

قالها  ابو سامي  وهو يمد يده لكوب القهوة.

ام سامي:  هدى.. بنت شريفة، جارتنا اللي بالمزرعة.. أم حمزة.

ابو سامي  رفع حاجبه  وقال: ايه؟ الله يسهّل لها، جابت ولد ولا بنت؟.

ام سامي  قالت بنبرة فيها وجع:  جابت بنت.. مير  البنت ما عاشت.. ماتت قبل ما تشهق شهقة الحياة.

ابو سامي سكت لحظة، ثم قال بصوتٍ خاشع:

إنّا لله وإنّا إليه راجعون، الموت حق، وربك ما يظلم أحد.

ام سامي  هزّت راسها موافقة كلامه ، بس ملامحها ما كانت مرتاحة، كأن اللي بقلبها أكبر من مصيبة موت.

سألها  ابو سامي وهو يحط اللقمة على طرف الصحن:
بس شكلك مو متأثره لجل الموت، وش فيه؟

ام سامي  نزلت عيونها عن عيون ابو سامي، وقالت بصوت خافت: المشكلة مب  بس بالموت.. المشكلة إني يوم دخلت أشوفها، والله العظيم شفت شي يقلب القلب.

ابو سامي:  وش شفتي؟

ام سامي  :  وجهها.. كان عليه علامات.. زرقة بكفها، وورم  في خدها.. وعينها اليسرى فيها شي ما يطمن، كأن أحد ضاربها!

رفع ابو سامي راسه، وعيونه تضيق من القهر: افا!!!  ضرب؟ من يمد يده على حرمة توها تولد؟!!!

قالت أم سامي وهي تتنفس بثقل:
ما أدري يا أبو سامي مدري  بس قلبي مناغزني، في شي ورى هالسالفة، وهدى ما تكلمت، ساكته.. ساكته كأنها تخاف حتى من ظلها.

ابو سامي  ضيق عيونه وقال:  تكون من زوجها؟

هزّت راسها وقالت: يمكن.. مير  من اللي شفته، عيونها تقول كلام ما انقال.. تقول إن السالفة مو بس وجع ولادة، فيها وجع قلب، وذل، وشي أكبر من اللي ينقال.

تنهد "أبو سامي" وقال:

الله لا يجيب الظلم على أحد.. لكن يا أم سامي، ترا حريم اليوم ما يسكتن إلا وراهن شي كبير.. ولازم نعرف وش اللي صاير

جُور السِنين! حيث تعيش القصص. اكتشف الآن