......
عند هيفاء..
رداد رفع ستار الخيمة ودخل، وأول ما دخل رجله داخل إلا وصوت أمه يضرب أركان المكان مثل السوط:
قومي نظفي ذي الزاوية! ما تنفعين لا خدامة ولا تنفعين تكوني من البشر!
كانت هيفاء منحنية، تلمّ الغبار بيد مرتعشة، ساكته… كأن الصوت يخترقها ولا تقدر ترد، ودمعة معلّقة بطرف عينها، تقاوم تنزل… لكنها تتقلّب وتطيح على خدها.
وقف رداد مكانه، صدره ضاق، وتنهد بعمق ما قدر يشوفها كذا.
قال بصوت ثابت:
يمه… خلّيها. روحي لبيتس
أمه التفتت عليه بعين فيها شرر:
لا تدخل بيني وبين هالشيطانه! ذي من الغجر! من يوم دخلت خيمتنا والنحس داخل معها! بتدلّك وتودّيك للحرام يا ولدي يا رداد!..
الكلمة طاحت مثل السكين على قلب هيفاء، جسمها ارتجف، ودموعها نزلت غصب عنها.
حاولت تغطي وجهها عشان ما يشوفون انكسارها، بس رداد شاف كل شي.
قرب منها خطوة، ورجع ناظر أمه:
يمه… قلت لتس روحي لبيتس لا تجرحينها أكثر..
أمه فتحت فمها ترد، بس شافت النظرة في عين ولدها، نظرة ما تقبل مجادلة.
تنفّست بقهر، ورفعت طرف عباتها وطلعت من الخيمة وهي تتمتم:
الله يستر عليك… بتدخلك جهنم.
بعد ما تلاشى صوتها، ظلّت الخيمة هادئة…
ما فيها إلا صوت شهيق هيفاء المكتوم.
رداد مشى لها بهدوء، وقف قبالها، وصوته ناعم على غير طبيعته: هيفاء…
رفعت عيونها، مكسورة، حزينة، وخايفة قرب منها شوي وقال:
سمعت إن أختس عفراء مريضه. ودّتس تروحين لها؟!
الجملة نزلت على قلبها مثل السهم اتسعت عيونها، وارتعشت شفتها: عفراء… مريضة؟ ش… ش فيها؟ تكفى يا رداد… ودّني لها… لا تخلّيني هنا… أبيها… أبي أشوفها…
انهارت تبكي وتشد بثوبه وهي تتوسله، رداد حس بشي يشد قلبه، ومد يده بهدوء ومسح دموعها:
هدي… هدي يا هيفاء. أنا بروح أستأذن من الشيخ عسّاف… وبأخذتس لها ما يصير خاطرتس الا طيب..
رفعت عيونها له، نظرة فيها امتنان وانكسار وخوف مجتمعين:
لا تتأخر… تكفى.
رداد هز راسه وقال :أبد ما أتأخر… دامتس تبين تروحين لأختس ، أنا اللي بوقف معتس هيفاء وبصحح خطاي..
ثم لف وطلع من الخيمة بخطوات ثابتة…
وسرعان ما ضرب جبينه: وش قلت لها يا رداد الحين وش بتقول لعساف!!! والله ان يعلقني..
ومع ذلك تحرك رداد متجه لخيمة عسّاف، كان يشوف الهيبة اللي تطلع من الستار تنفّس بعمق، شدّ كتوفه، وقال: انت ادخل له من الجانب الي يحبه وهو بيقبل .
طلع عسّاف و ملامحه متكسّبة غضب وتعب. رفع عينه يوم شاف رداد وقال بحدّة:
وش تبي؟
رداد نطق بسرعه: ابد سلامتك جيت بقول لك لو تبينا نطلع.
أنت تقرأ
جُور السِنين!
Ficción Generalعندما تجور السنين على قلب أحدهم وتتهافت الآلام والمصائب.. . بين نار العداوة ولهيب العشق، سُبيت القلوب قبل الأجساد، وتلاعبت الأقدار بفتيان الصحراء وفتياتها، فهل يلين الحديد إذا مسّه الحنين؟ أم أن شريعة البدو لا ترحم؟ رواية بدويّة عن العشق والثأر...
