34

5.2K 158 297
                                        

...

......

الظهر...

الشمس كانت  عالية لكن الكرم في الديرة ذا اليوم  كان أعلى.. والفرح اللي في صدور الناس ما ينطفي..

مجلس الشيخ  مفتوح على الآخر  أبوابه مشرّعة وصوت الشيخ هجرس يجلجل وهو يرحّب بضيوفه واحد واحد، صوته فيه فرح ما عرفه من سنين، فرح رجل استرد روحه قبل ما يسترد بنته...

الشيخ  هجرس  :  حيّاكم الله… حيّ الله من جانا

الفرش انمدّت والسُفر انحطّت والريحة سبقت الطعم..

قدور الرز متراصة مثل الجبال  أبيض يفوح بالبخار  وحباته مفلفلة كأنها لؤلؤ منثور..

اللحم بأنواعه… ذبايح كاملة  روس تلمع  أفخاذ و لحم يذوب من طراوته  محمّر ومسلوق وكل قدر ينادي الثاني..

جنبها اللبن البارد  في قربٍ نظيفة  ... والخضرة مرتبة الخيار  والطماطم  المقطع والفجل والكراث.. والجرجير وشكلهم يشرح الخاطر..

الرجال جلسوا على السفر كبار وصغار  شيوخ ووجهاء كلهم يباركون للشيخ برجوع بنته وكلهم يبتسمون وكل ابتسامة كانت توصل لقلب الشيخ هجرس..

أول ما جلسوا الرجال حول الغداء كان فيصل يتحرك بينهم بخفة  يضحك ويقدّم ويناول الصحون وصوته عالي بالفرح  وكأن الدنيا ما عاد فيها هم.
كان يشوف الشيخ هجرس من بعيد فرحان وهو يشرف على الرجال الي عند  القدور ويقول لهم يزيدوا اللحم.. عينه تلمع  ووجهه مشرق بشي ما عرفه فيصل من زمان… بالطمأنينة.
ابتسم فيصل وهو يكمل شغله ويرحب فيهم وهو يشوف سويلم من الجهة الثانيه ما جلس وهو يرحب بالمجموعة الثانية ويقرب لهم ويشتغل بكل طاقته..

لكن مو كل القلوب كانت تشبه بعضها... أبو فيصل كان جالس بينهم بس كأنه خارج المكان... الضجيج حوله عالي، الضحك، والترحيب، والأكل… لكنه يحس بوحشة ثقيلة  كأن أحد جالس فوق صدره... ضيق ما له سبب واضح ولا تفسير.

مد يده قدامه بس ما لمس الأكل... اللقمة قدامه  والرز قدامه واللحم قدامه… بس حلقه مقفل ، وصدره معقود.
حس برعب بارد يتسلل له رعشة خفيفة في أطرافه شي يقول له إن الفرح هذا مو له… وإن فيه شي قادم..

عيونه تراقب... تراقب الشيخ هجرس وهو يضحك  وهو  يرحب ، وهو يجلس مع الرجال بثقة رجال كسب الدنيا كلها.
يراقب فيصل ولده  وهو يضحك مع الشباب خفيف الروح ومحبوب..

أبو فيصل حاول يتكلم…وهو يسمع واحد من الشيوخ يسولف عليه.. فتح فمه لكن ما طلع صوت كأن الكلمات عالقة، كأن لسانه مربوط..

كل ما ارتفع صوت ضحك الشيخ هجرس زاد الضيق في صدره.
كل ما شاف فرحة الشيخ ببنته حس الخوف يكبر خوف ما يعرف له اسم، بس يعرف إنه مو عابر.

جُور السِنين! حيث تعيش القصص. اكتشف الآن