.
.
.
.
.
في مجلس الشيخ هجرس الي كان مزدحم بالرجال..
القهاوي تدور، و الفناجيل تنرفع وتنحط، و سوالف الصلح ما بين أخذٍ ورد، كبار القوم يتكلمون ولكل نظرة وزنها..
وضحكات خفيفة هنا و نقاش هناك والدنيا ماشية على وتيرتها الطبيعية..
إلا عسّاف دخل المجلس وهو مو هو... خطواته أبطأ من العادة، كتوفه مشدودة وعيونه تمر على الرجال بدون ما تشوفهم . جلس بمكانه بهدوء لكن روحه… كانت برا عند الخيل عند نظرة عند لثام انسحب عند عيون زرقاء قلبت كيانه...
رداد الوحيد اللي ما احتاج وقت طويل لجل يحس..
هو يعرف عسّاف مثل ما يعرف اسمه.
راقبه بطرف عينه و شاف شروده و شاف كيف يمرر يده على ذقنه بحركة لا إرادية شاف كيف يزفر بصمت كأنه يكتم شي أكبر من صدره..
تحرّك بهدوء وقرب وجلس جنبه بدون ما يلفت انتباه أحد.
همس وهو يميل له: علامك؟!
ما رد عسّاف و عيونه كانت قدّامه، على رجال يتكلمون عن العهود والمواثيق، وهو بالكاد يسمع..
مرّت ثواني، بعدها مال شوي على رداد و صوته منخفض مبحوح كأنه طالع من صدر متعب: اسمع... لزوم أخطب شادن بأسرع وقت..
رداد عقد حواجبه ولفّ راسه عليه ببطء وناظر ملامحه والشي اللي كان يخافه تأكد منه... هالقرار جا من قلب توّه انضرب..
همس له بنفس الهدوء لكن بنبرة أعمق: شفتها؟
عسّاف بلع ريقه وفكه انشدّ و أنفاسه اختلّت لحظة وبعدين رجع متماسك… أو يحاول يظهر هالشي: لا..
رداد ابتسم ابتسامة خفيفة و ميل عليه أكثر وهمس: عسّاف… أنا أعرفك... هالقرار ما يطلع منك إلا وانت شفت شي يكسرك.
عسّاف حرك فنجاله بدون ما يشرب: تخسى مافيه شي يكسرني وانا ابن أبوي..
رداد ناظر المجلس ولا أحد منتبه لهم... الرجال غرقانين بسوالفهم، كأن بينهم وبين هالاثنين ستار صامت..
رجع نظره لعسّاف وقال: الله يستر من تاليها..
ما رد عسّاف عليه و قال رداد بعد صمت: إذا بتخطب شادن… فأنت تهرب..
عسّاف لف عليه بحدة خفيفة لكن صوته منخفض: الهروب أحيانًا نجاة.. وقفل الموضوع خلاص..
رداد تنهد وهو يرجع بنظره للمجلس و ارتفع صوت أحد الشيوخ ورجع الحديث للصلح والكل انتبه وعسّاف اعتدل في جلسته و لبس قناع الشيخ من جديد... لكن رداد كان يعرف إن تحت هالقناع، قلب عاشق يركض بكل قوته نحو الشي اللي يقول عنه مستحيل...
مرّ الوقت و كل دقيقة كانت تحمل أكثر مما تحتمل القلوب.
الصلح انتهى.. والكلمة قيلت والعهود توثّقت والأيادي تصافحت قدّام الناس وربّ الناس..
أنت تقرأ
جُور السِنين!
Ficción Generalعندما تجور السنين على قلب أحدهم وتتهافت الآلام والمصائب.. . بين نار العداوة ولهيب العشق، سُبيت القلوب قبل الأجساد، وتلاعبت الأقدار بفتيان الصحراء وفتياتها، فهل يلين الحديد إذا مسّه الحنين؟ أم أن شريعة البدو لا ترحم؟ رواية بدويّة عن العشق والثأر...
