ارقام

235 6 0
                                    

أرقام...
لبراءة الطّفولة وصدق إحساس المراهقة وميضٌ يُضيء عتمة الذّاكرة... يتخطّى أسوارها... يقتحمها بقوّة الإحساس... يحتّل دهاليزها وزواياها... يحفر أوّل حرف من اسمه على جدرانها... تفوح رائحته من زنابق الحنين للحظاتها...
كلّما أضاء ذلك الوميض في مُخيّلتي تظهر صورتي جليّة وأنا أحفر أوّل حرف من اسمي في كلّ مكان...
لا أعلم أين يكمن السّحر في الحرف الأوّل من أسمائنا حتّى نحفره على مقعد الدّراسة الخشبيّ وجذوع الأشجار حتّى أنّنا نعلّقه أيقونة في رقبتنا...
ومرّت الأيّام وتحوّل الحرف الأوّل من اسمي إلى الحرف الأوّل مِن اسم مَن أُحِبّ...
وبقي الحال على ما هو عليه حتّى اكتشفت أنّ للأرقام أهمّيّةً أكثر بكثير من الحرف الأوّل مِن اسمنا رغم أنّي لم يخطر في بالي أن أحفر يوماً رقمي بين أفراد العائلة...
اكتشفتُ أنّ الأرقام الّتي تُصادفنا في حياتنا هي ورقة يانصيب، تُخبّئ لنا ما لا تُخبّئه الحروف... رقمنا بين أفراد العائلة... تاريخ ميلادنا... مجموع درجات تحصيلنا العلميّ... رقم الأجر الّذي نتقاضاه في عملنا...
رقم مقعدنا في قطار مُتّجه نحو المجهول...
الأرقام في السّاعة... تلك الأرقام الجبّارة الّتي نلهث وراءها... نُسابقها ولا نسبقها...
تلك الأرقام الّتي تغيّر حياتنا بين ثانية وأخرى... تارّةً تُنجينا... وتارّة تخوننا...
تقلب حياتنا رأساً على عَقِب...
تعلق في ذاكرتنا... كتمائم أو كلعنة... لا فرق سوى أنّها تُنهكنا من شدّة الشّوق أو الألم...
أرقام وأرقام لا تفارقنا في حياتنا...
حتّى انصهرنا في بوتقتها وأصبحنا جزءاً منها... فتحوّلت أسماؤنا إلى أرقام لا نهاية لها من غرقى ولاجئين ومُشرّدين ومفقودين وشُهداء...
نحن أسرى لصانعي الأرقام...
نحن لا شيء سوى أرقام.

خواطر مبعثرة حيث تعيش القصص. اكتشف الآن