1- طائر حر

42.1K 787 228
                                        

طائرٌ حرٌّ أُصيب فسقط، فأمسك به الناس، قال جماعة منهم: "نقتله فلن يعيش، أطلقنا عليه الرصاص لنلهو فقط"، وقال آخرون: "نداويه فيعيش، فإذا صحَّ واستطاع الطيران استطعنا اصطياده مرة أخرى".

في كلتا الحالتين، الطائر هو الفريسة، قتلوه أو داووه فهم يضمرون له الشر من كل الجهات.
في الحالتين، هو ميت لا محالة، يتلاعبون بحياته كأنها بأيديهم، ولم يولد حرًّا فاستعبدوه.

هكذا هي حياتي، كأنني طائر اجتمع الكثيرون من البشر على الفتك به، لكن لن أدعهم يفسدون حياتي. استطاعوا مرة، لكن كنت غبية وقتها... كنت ساذجة، لم أصدق أنس عندما أخبرني أنها مجرد كلمات ستفقدني ثقتي بنفسي ولن تنفعني، أو على الأقل تنفعهم، مجرد همسات تزيد من خوفي وانطوائي والهروب إلى عالم خيالي أبتعد به عن البشر.

أنا حوراء، غريب هو اسمي؟!
اكتشفت أنه غريب عندما كنت أرى دهشة الجميع عند سماعهم إياه للمرة الأولى، ودائمًا يتردد على مسامعي: "ما معناه؟" كرهت تكرار هذا السؤال وكرهت ترديد إجابته البسيطة كالببغاء.

"حوراء تعني المرأة شديدة البياض أو العين التي أبيضها شديد البياض وأسودها شديد السواد."

هذا هو معنى اسمي ببساطة، وسبحان من لقَّبني به، فهو منطبق عليَّ تمامًا، فأنا شديدة بياض البشرة، عيناي سوادهما طغى، جعل ما يحاوطهما أبيض نقيًّا لا تشوبه شائبة. قسمات وجهي طفولية كما أخبرتني أمي.

ملابسي أولها أسود عند الحجاب وآخرها أسود عند الرداء، لا يظهر مني سوى عيناي من تحت الحجاب. نعم... أنا منتقبة. خرجتُ للحياة في زمن قلَّ فيه الحياء من النساء أو الرجال، وأصبح اتباع هدي الحبيب صلَّى الله عليه وسلَّم رجعيةً وتخلفًا، من يُصلِّي أو يصوم ويقوم بواجبات المسلم وما يميزه عن غيره يصبح معقدًا أو يسمونه ملتزمًا، ومن يدعو إلى المعروف وينهى عن المنكر يستهزئون به ويصبح لقبه "الشيخ".

ليتهم يقولونها دون سخرية أو استهزاء، يقولونها فقط للتقليل من القدر أو لتحطيمك إلى أن تفقد روح الحياة.

عمري الحقيقي عشرون ربيعًا، لكن داخل المنزل عمري خمس سنوات، أما خارجه فعُمري خمسون سنة، وبكل فخر سأخبركم أني عربية - أعتقد أن هذا كافٍ بالنسبة لكم لتعرفوا هويتي -.

---

انتشرت الوقاحة، فبات الأدب ملفتًا للنظر!

كل صباح، داخل الحرم الجامعي، تسمع حديثًا عنها أو عن إحدى صديقاتها، فلا تجد ما تقوله سوى الصمت وطأطأة رأسها ومحاولة التماسك.

وصلت الجامعة واندفعت بسرعة إلى مكان تجمع صديقاتها المعتاد، لتتلافى ما قد تلتقطه أذناها من حديث لا ترغب في سماعه حتى لا يعكِّر صفو مزاجها.

على بُعد خطوات من صديقاتها، سقطت على وجهها، لامس وجهها الأرض، وشعرت به ينغمس في الحرج، لتسمع ضحكات مجموعة من الحثالة عليها، وكأنها نعيق غربان فوق جثة هامدة. التفتت بعد أن استعادت رباطة جأشها واستقامت بمساعدة صديقاتها، لترى مجموعة الحثالة ما زالوا يسخرون منها، وأخبرها واحد منهم أنه دهس على ردائها عمدًا لتعلم هي ومن على شاكلتها أن ملابسهن تلك تؤذي أكثر مما تنفع.

شعرت بأن كرامتها هي التي دُهست، وليس رداؤها، قلبها انفطر وعقلها ما زال عاجزًا عن استيعاب ما حدث، إنه مسلم! كيف لمسلم أن يؤذيها وهو يعلم أن ما تفعله صحيح؟!!

كانت تُلقي كلماتهم المؤذية لمشاعرها في مؤخرة ذهنها، ليس خوفًا ولا قلة حيلة منها للرد عليهم في ما يفعلون، لكن فقط نفدت منها طاقتها للرد عليهم. ليست بحاجة لرأيهم فيها أو في ما ترتديه، فكما يقولون:

"حرية شخصية"

لكن الحرية الشخصية من وجهة نظرهم هي أن تنزع المرأة ملابسها وحيائها، وليس أن ترتدي ما تريد وتحمي ما تبقى من أثر السابقين من... الحياء. حرّيتهم الشخصية يدافعون بها عن أخطائهم لتبريرها.

لكن الآن، بدأ إيذاؤها يأخذ منحًى جديدًا، منحًى لم يكن عقلها يصوِّر لها أن المضايقات والإيذاء النفسي سيؤولان إلى إيذاء جسدي ملموس.

اتخذت قرارًا ولن تعود عن المضي في هذا الطريق. الحمل أصبح ثقيلًا جدًّا عليها، ولم يعد في مقدورها التحمل أكثر من ذلك، وكأن جبلًا تحمله على عاتقها وقف فوقه غراب، فلم يعد بمقدورها حمله.

شعور أن تصل إلى طريق مسدود، مظلم وبارد، وعلاوة على ذلك مهجور، لا يوجد به حتى طيف بشر يحميك أو يؤنس وحدتك... شعور مؤلم، بائس، قاتل، قد تصل به إلى التخلي عن الحياة والهروب من الواقع.

---

"كيف ستعملين في مهنة المحاماة وصوت المرأة عورة؟!"

كان صوتًا رجوليًّا، لم يكن هازئًا كما هو المتوقع، كان صوته متسائلًا، جادًّا، يبحث عن إجابة لسؤاله. بادر بكلامه عندما ابتعدت مع صديقتها وجلست بعيدًا وهي تجهش بالبكاء، تاركةً لدموعها غسل كبريائها وعينيها من الحزن والشعور بالمهانة. بكاؤها كان سبيلها الوحيد لطرد كل أحزانها من عقلها وقلبها.

"ألم تكتفوا من إهانتنا؟ أخبرني... ألم يكفِك مضايقتها وإيذاؤها النفسي والجسدي؟ لا أعلم سبب إيذائكم لنا، ألستم مسلمين؟!! ألم يصل لكم دين محمد - صلى الله عليه وسلم - بعد؟ ما الشيء المزعج في ما نرتديه؟! يمكنك إجابتي عن أسئلتي التي يفيض بها عقلي."

سكبت فتاة بملابس فضفاضة وحجاب طويل يغطيها إلى حد خصرها - الخمار - كلماتها على رأس السائل كأنها حجارة من سجيل.

---

في صباح اليوم التالي، جرت قدماها لتقف أمام صديقتها الصامتة مواجهةً لها - المرآة - وهي تتفحص نفسها وتتأمل ملابسها، نطقت بأسى تملك عينيها قبل نبرة صوتها:

"والآن عدنا خطوة للخلف."

لم تكن على اقتناع بما تفعل، كان بالأمس شيئًا مستحيلًا، أما اليوم فهو حاضر، موجود، ومُثبت.

"أصبحت غريبة... حور"

ألقت كلمتها لنفسها قبل أن تترك حجرتها، وتتحرك بخطوات كأنها خطوات على منشار قد يؤذي قدمها إن لم تنتبه. أغمضت عينيها ورفعت رأسها ناطقةً بهمس أمام غرفة المعيشة التي اجتمعت بها عائلتها لتناول وجبة الإفطار:

"بسم الله، استعنت بك يا خالقي لتنجِّيَني مما سيقع عليَّ من بلاء."


براءةقصص لتهوسّ بها. اكتشف الآن