6- براءة

5.5K 269 21
                                        

وهنا بدأت حياته تبتسم

---

تركض أمامه على الشاطئ بابتسامة بريئة كأي طفلة في مثل عمرها الصغير. كانت سمراء جميلة، ورثت عن والدتها عينيها الرماديتين الواسعتين كحجر كريم براق، وشعرها الأسود المائل للبني، حيث تظهر خصلاته البنية تحت ضوء الشمس. ابتسم بحزن، فقد فقدت ركيزة أساسية في حياتها منذ الصغر... كما افتقدها هو.

مرَّت خمس سنوات منذ آخر مرة التقى فيها بمجموعة الفتيات في الجامعة، وأربع سنوات لم يرَ فيها صاحبة العيون الغزالية والوجه الجميل. لم يتجادلا كما فعلا سابقًا، ولا يجزم بافتقاده لتلك الأيام، فقد كانت قصيرة جدًا لكنها كانت سببًا في هدايته، بجانب كونها أيامًا مؤلمة، إذ حدث الكثير خلالها.

"براءة، براءة، تعالي إلى هنا صغيرتي!"
كما العادة، كل من التقطت أذنه اسمها اندهش والتفت له. عادت إليه بسرعة لترتمي بين أحضانه بعدما لوّح لها بذراعيه، يحملها بينهما.

"صغيرتي، هيا بنا لنعود، فبالتأكيد جدتك ستقلق علينا." ثم همس في أذنها: "وسوف تبرحنا ضربًا كما تفعل عندما نغضبها!"
ضحكت براءة ببراءتها الطفولية التي طغت على الأجواء، فلفتت الأنظار إليها. كانت ضحكتها ذات رنين عالٍ كموسيقى الأوبرا الصاخبة، لكنها أجمل.

نطقت بمرح، وهي تلفّ يديها حول عنق والدها عمار كأنها حبيبته:
"هيا بنا، أبي، فأنا لا أريد أن تغضب جدتي مرتين في يومٍ واحد!"

---

"جدتي، جدتي...."
دخلت إلى المنزل تركض باحثة عن جدتها، وقد وجدتها أخيرًا جالسة على كرسيها المفضل في الشرفة، تستمع إلى همس قيثارة السماء. كان صوته من أجمل الأصوات في تلاوة القرآن، الشيخ محمد رفعت، الذي سُمّي بقيثارة السماء لروعة ترتيله لآيات الله. وما إن وصلت إلى الشرفة حتى عانقت جدتها وقبّلت جبينها.

ضحكت الجدة بسرور ورحابة صدر، قبّلت براءة وهي تشعر باختلاط المشاعر؛ امتزجت سعادتها بحزنها، وزاد عليهما الأسى. كان عمار مراقبًا للمشهد منذ البداية، وكانت ابتسامته واسعة، تأمل تعابير وجه تلك المرأة المسنّة ببطء، ثم زالت بسمته من على وجهه.

فمهما قال لها "يا أمي"، لن تكن كما يقولها ولدها لها. ومهما جاهد في محاولة منه ليشعرها بالسعادة ويطرد عنها الحزن، لم يستطع. الوحيدة القادرة على جعلها سعيدة، والتي لها قدرة على رسم الضحكة على ثغرها دون تكلف، هي براءة.

"السلام عليكم، أم حسن."
أراد أن يلقبها بما تحب، أم حسن... أم صديقه الذي وافته المنية قبل أن يحتضن أمه ويقبّل يديها وقدميها.

"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، بُني." ردت عليه التحية بأحسن منها.

---

قال تعالى في كتابه:
"وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا."

---

أكملت بابتسامة حنونة ألقتها أمام وجهه، ليبادلها الابتسام:
"هل استمتعتم إذًا على الشاطئ؟!"
أجاب وما زالت البسمة تتراقص على شفتيه:
"نعم، الحمد لله، لكن معكِ بالتأكيد كانت لتصبح أجمل.... أمي."

اعتاد مناداتها بـ "أمي"، فهو مدين لها بالحنان والدفء اللذين قدمتهما دون مقابل. تفرّس ملامحها، فرأى أن العجز قد احتواها بعد أن نبذها الشباب. كانت عيناها السوداوان وبشرتها البيضاء مع رموشها الكثيفة كأنها كوب قهوة سُكب عليه الحليب للتو فامتزجا مكوّنين وجهها على سطحه. كانت متوسطة الجمال، ككثير من الأمهات المصريات، كملكة فرعونية توّجت على عرش منزلها.

كانت السيدة عُلا - أم حسن - ذات جسد ممتلئ وقامة قصيرة، فيتبين لك من رؤيتها لأول مرة الطيبة والحنان اللذان تسرف فيهما على الناس وتُجود بهما على الأنفس.

لم تجب، فقط اكتفت بابتسامة وقبلة طبعتها على وجنة براءة، بينما تمسح على شعرها الأسود القصير.

---

على مائدة الطعام جلست براءة متذمرة، لا ترغب في الطعام. لكن ما جعلها تغضب وتزمجر هو شرود والدها، ولا مبالاة جدتها. لم تهتم بوالدها لانشغاله، لكنها كانت تتبادل النظرات مع جدتها؛ تنظر لها السيدة عُلا بانتصار، فترد عليها براءة بنظرة غضب، كأنها كرة مشتعلة تُقذف في وجهها.

كانتا أقرب لصديقتين من كونها فتاة وجدتها. تعشق الجدة مشاكستها، وترغب أيضًا في كسر عنادها الصعب.

---

أما ما كان يجول في عقل عمار، فقد طار من الإسكندرية ليسقط في القاهرة... نعم القاهرة، فهي قاهرة

براءةقصص لتهوسّ بها. اكتشف الآن