4

8.9K 723 302
                                        


"أين أنا؟"
سأل كارل بصوت خافت، بينما يحاول أن يتذكر كيف انتهى به المطاف هنا.

أجابه سيباستيان بنبرة هادئة، كأنه يكلّم طفلًا:
"في مكان آمن، صدّقني... وصلت إلينا في أسوأ حال. لو تأخرت قليلًا، لما كنت هنا الآن."

تداخلت الصور في رأسه. طرقات، غضب، سقوط... ثم ظلام دامس.
رفع نظره، يتفحّص الوجوه من حوله.
كان القلق بادياً على سام، بينما إيرول يراقبه بصمت، عيناه الثاقبتان تحللان كل شهيق وزفير يصدر عنه.

"رينو؟"
نطقها أخيرًا وكأنها كانت عقدة في حلقه.

ابتسم سيباستيان. ليست ابتسامة طمأنينة، بل تلك التي تزرع ألف سؤال ولا تمنح أي إجابة.
سحب مقعدًا وجلس إلى جواره، بينما تسللت خيوط الشمس من بين الستائر المتمايلة خلفه، ترسم لوحة ضبابية من الضوء والظل، وكأن الزمن قد تباطأ عمدًا.

قال بصوته البارد:
"شقيقك لم يعُد هنا..."
تعلّقت عيناه بكارل، نظرة جامدة لا تحمل تفسيرًا.

انتفض كارل، كأن صاعقة ضربت صدره:
"ماذا تعني؟!"
صرخ بها، باحثًا عن أي خيط لفهم ما سمعه.

كانت عيناه مشتعلة، متقدة بعدوان خفي، كقنبلة تنتظر كلمة واحدة لتنفجر.
تحرّك سام وإيرول، عزما على تقييد هذا الانفعال عند حده، لكن سيباستيان أوقفهما بإشارة هادئة حاسمة.

أدرك كارل حينها أنه بالغ، كان مشوشًا، غارقًا في قلقه، ولم يفهم شيئًا بعد.
خفض رأسه، يحاول كبح انفعالاته.

ساد الصمت لبرهة.
هدنة مؤقتة فرضها الثقل في صدره.
تنفس بعمق، مسح على شعره بتوتر، ثم قال بصوت أكثر اتزانًا:

"وضح من فضلك..."

أعاد سيباستيان تثبيت نظراته عليه، وارتسم على وجهه طيف ابتسامة باهتة. بدا وكأنه يقاتل للبقاء ثابتًا، بينما شيء ما في داخله يصرخ.

اتكأ على كرسيه وأجاب بالنبرة نفسها:
"كبير عائلتكم جاء بنفسه... واصطحبه إلى المنزل."

تغيرت ملامح كارل فجأة.
انطفأ الغضب في وجهه، وحلّ مكانه انكسار عميق.
تذكُّره لجده كان كافيًا لتفسير كل شيء.
خفض رأسه، وهمس بصوت خافت:
"منذ متى؟"

"خمسة أيام."

"هل... كان بخير؟"

"نعم. صحته كانت تتحسن."

رفع كارل رأسه مجددًا، نظراته تتشبث باليقين:
"أحقًا كان بخير؟"

رفع سيباستيان حاجبه باستنكار، وحدّق فيه لحظة قبل أن يقول بحدة:
"هل تشكك في كلامي؟"

هزّ كارل رأسه نافيًا، ثم تمتم:
"أنا فقط... أتأكد."

ظل سيباستيان يراقبه دون أن يشيح بنظره، عيناه تطوقانه.

الثأر الصامتحيث تعيش القصص. اكتشف الآن