كانت نسمات الرياح تداعب فروع الأشجار المخضرة، فيما حلّقت أسراب الطيور في السماء الصافية الممتدة حتى الأفق، بانسجام هادئ يشي بسلام مؤقت.
جلَس سيباستيان في هدوء ثقيل، وقد ارتكن إلى مسند الكرسي الجلدي الفاخر خلف مكتبه ، يحيطه أثاث قاتم اللون يوحي بالهيبة والصرامة.
كانت المنضدة المصقولة أمامه تعكس خافت الضوء المتسلل من فتحة صغيرة في الزجاج المعتم للنافذة، بينما امتدت أصابعه تتلاعب بلا مبالاة بحواف كوب فارغ، وهو يرمي طرفه عبر النافذة ذات الزجاج المعتم، التي بالكاد تتسلل منها خيوط الشمس الساطعة بالخارج.
لم يكن هناك أحد في الغرفة سوى كارل، الذي ظل نائمًا على الكرسي في الركن البعيد، شعره الأسود يتساقط على جبينه، محجبًا عينيه المعتمتين.
كان هادئًا، منتظم الأنفاس، ما شد انتباه سيد القصر نحوه...
فهو، رغم كل شيء، بدأ يعتاد المكان، ويتخلص من خوفه وتوتره تجاههم. كان ينام دون قلق، وهذا بحد ذاته أمر غير مألوف لأفراد "أنجِلكو"، المعروفين بطبعهم الحذر وسلوكهم العدائي بالفطرة.
حتى سيباستيان نفسه... بدأ يعتاد وجوده.
في كل مرة يراه فيها، يشعر بشيء دافئ يتسلل إلى قلبه، وكأن زين عاد للحياة من خلاله...
رفع يده إلى جبينه، يدلكه بألم، محاولًا طرد الذكريات القديمة التي تأبى الرحيل.
مرت أعوام طويلة، عشرات منها، ومع ذلك لم يستطع النسيان.
رحيل زين ترك في قلبه جرحًا غائرًا لا يندمل... مات وهو يعاني المرض بصمت، دون أن يخبره.
وكأنه لم يره طبيبًا... بل لم يعترف به أبًا حتى.
تمزق الصمت الخانق في الغرفة فجأة حين اندفع الباب بقوة، محدثًا صوتًا عنيفًا ارتد صداه بين الجدران.
رفع سيباستيان رأسه بسرعة، وقد خرج من شروده على وقع هذا الاقتحام غير المرحب به، وملامح الاستياء تعلو وجهه. كان الدخول فظًا، خاليًا من أي احترام... دون استئذان، كأن المكان بلا هيبة.
وقف أمامه قائد الحرس الخاص بالمجلس، محاطًا بعدد من أتباعه. نظراتهم الحادة كالسكاكين اخترقت الغرفة، واستقرت عليه دون رحمة.
تطلّع إليهم سيباستيان بصمت لبضع ثوانٍ، يحاول استيعاب الكيفية التي تجاوزوا بها الحراسة، لكنه لم يُظهر سوى جمود قاتل.
كان يعلم أن هذه الزيارة قادمة لا محالة... فقد رفض عروضهم جميعها، وطلب منهم صراحة ألا يتدخلوا.
لكنه لم يتوقع الرد بهذه السرعة... ولم يكن مستعدًا له.
تقدّم القائد خطوة، ونبرته تغلي بالغضب:
"كيف تجرؤ على رفض انتسابنا؟... هل نسيت من نكون؟!"
مال سيباستيان إلى الخلف بهدوء، واستند إلى مسند الكرسي دون أن يرف له جفن، ثم أجاب ببرود قاتل:
"بلى... أعرفكم جيدًا، ولهذا رفضتكم."
تقدم القائد أكثر، وقد ازداد احتقانه:
"وما الذي تعرفه عنا؟ أنت مجرد طبيب تافه اختار العزلة، لأنه ضعيف... وخائف من العالم."
أنت تقرأ
الثأر الصامت
Vampirosلا توجد بدايه ! فالطريق متشابك كفروع شجرة تعجز عن إيجاد غصن رئيس لها ! لكن ان أثآرك الامر فالحق بي لعل هذا يغير من نظرتك المشتتة شيئاً .. الحق بي وسترى ¡¡¡ _____ #مكتملة
