30

4.4K 377 223
                                        


ضوء الشمس وفورانه جعله يغلق عينيه وهو يمر عبر الممرات المؤدية إلى قسم الرعاية الطبية. الهواء يلامس بشرته ويحرك خصلات شعره الرمادي. كانت حواسه مضاعفة، يستشعر الروائح ويميّزها، ويلتقط أدق الأصوات. أما عيناه الغائرتان فكانتا تجسّدان الحركات حتى من مسافات بعيدة… كان يرى ما يجري على الأرض، بل وما خلف الغيوم أيضًا.

ترنّح قليلًا، وكاد أن يسقط حين اصطدمت به إحدى الممرضات قبل أن تتخطّاه مسرعة خلف الطبيب. صراخها أصابه بالصمم لعدة لحظات.

استند إلى الجدار وهو يشعر بالدوار. مضى وقت طويل لم يرَ فيه سوى سيباستيان… أسبوعان كاملان وهو محتجز في غرفته، تحت مراقبة مشددة، منذ أن تحوّل إلى مصاص دماء.

كان قد اعتاد الهدوء… أو ربما لم يتكيّف بعد مع وضعه الجديد. الشعور بالخارج أشبه بالعذاب. وضع يده على أذنه وهمس بصوت متعب:
"أعيدوني إلى غرفتي… هذا مرهق."

تبادل الحراس الذين يرافقونه النظرات، حين رأوه يتراخى ويجلس أرضًا وهو يلهث. لم يكن بمقدورهم فعل شيء دون أوامر مباشرة من سيباستيان أو أحد المقرّبين منه.

بدا إيرول ككائن خرج من الشرنقة في توقيت خاطئ.

"كيف حالك، إيرول؟"
قالها صوت مألوف... صوت بدا وكأنه يحمل كوب قهوة معه في كل جملة. ميلان وقف هناك، بابتسامة واثقة لا تليق بالموقف، وكأنّه وصل لحلّ لغزٍ ما.

التفت كلا الحارسين نحوه، كمن رأى أخيرًا من يتحمّل المسؤولية. أما إيرول، فرفع رأسه ببطء، نظر إلى ميلان… ثم تنهد، وكأنه رأى مصيبة أخرى قادمة نحوه.

يا لسوء الحظ. أرسلوك أنت.

أشار ميلان للحراس بالانصراف بلباقة تشبه حركة ساحر على المسرح، ثم جلس القرفصاء أمام إيرول، بنفس هدوء من يتفقد نبتة على وشك الذبول.

"كان بإمكاني إحضار باقة ورد وبطاقة 'شفاء عاجل'، لكنك لا تبدو من ذلك النوع."

لم يردّ إيرول، فقط رمقه بنظرة مرهقة... أقرب إلى الصراخ الصامت.

"ستستأنف عملك معي. لذا… أظهر بعض الاحترام، وانظر إليّ."
قالها ميلان وهو ينخفض لمستواه، نبرته جدية، لكن شيئًا ما في ملامحه يوحي أنه يستمتع قليلًا بهذا الخراب.

إيرول تمتم في داخله:
"هذا عذاب، وليس تدريبًا."
لكن الجزء الأكثر إرهاقًا… أنه كان يعلم أن ميلان لن يتركه ينهار.

عاد إيرول لينظر إليه، وقد بدا الهوان واضحًا على وجهه. الأمور كانت تنحدر نحو الأسوأ، وكان في داخله يتذكر قسوة ميلان السابقة عليه قبل الحادث… قبل أن يتغيّر كل شيء. مرّر يده بخصلات شعره يزيحها عن عينيه، وسأل بصوت خافت:

"أين هو السيد سيباستيان؟"

"في مكتبه."
أجابه ميلان وهو يعتدل في وقفته. كان ضوء الشمس ينعكس على بشرته الشاحبة، وعيناه الثاقبتان تتأمله بنظرة يصعب تفسيرها. شعره الأسود مربوط للخلف على هيئة ذيل حصان مرتب بعناية… بعناية لا تليق بشخص يتعامل يوميًا مع الدماء.

الثأر الصامتحيث تعيش القصص. اكتشف الآن