32.

4K 372 222
                                        

حلّ صمت ثقيل على سؤال كارل، وغرق يورا في بحرٍ من التفكير العميق حتى شحب وجهه وأظلمت عيناه، وكأن توترًا شديدًا وصراعًا داخليًا ينهشان روحه. كان قلبه ممزقًا بين ولائه لسيده ورغبته الملحّة في كشف الحقيقة المدفونة.

كارل ظل يراقبه بصمت، وقد فهم من طول ذلك السكون أن يورا يخفي سرًا لا يريد الإفصاح عنه. اعتدل في جلسته، متجاهلًا وضعه الصحي المتردي، ورفع رأسه ليلتقي بعيني يورا، اللتين بدتا وكأنهما تنكسران تحت ضغط نظراته النافذة.

وفجأة، كسر كارل الصمت قائلًا:
«أخبرتني أنك تعرفني منذ زمن طويل… فلماذا أراك مترددًا الآن؟»

لكن يورا لم يجب، واكتفى بالصمت وهو يراقبه بحذر. كان يشعر أن كارل يحاول استدراجه للاعتراف، ليوقعه في فخ الإلحاح.

كانت نظرات كارل الزرقاء وسط الظلام تشع ببريق خاص، وقد تخلت عن صلابتها لتشبه نظرات شقيقه الراحل، زين، في الليلة التي سبقت موته. شبهٌ لم يكن كارل واعيًا بمدى تأثيره، لكنه كان كافيًا ليضغط على جراح يورا القديمة.

غاص يورا في ذكرياته المؤلمة، ثم أشاح بوجهه بعيدًا عن تلك النظرات المرهقة.
قال كارل بصوت هادئ، لكن تصميمه كان واضحًا:
«يورا، من فضلك… أرى صورًا غير واضحة في ذهني، لم أعد أعلم إن كانت أحلامًا أم ذكريات… أم مجرد أوهام. أخبرني بأي شيء، سأصدقك.»

أرخى يورا جفنيه بعجز، ثم وقف ببطء تاركًا كرسيه خلفه، ومشيحًا برأسه. كان يعلم أنه لن يصمد أمام كارل طويلًا، فمجرد حضوره كان كافيًا لإثارة اضطرابه. ولم يكن يحتاج سببًا محددًا ليشعر بالاستفزاز من نظراته المحايدة وسلوكه اللامبالي، لكن الشبه المزعج بينه وبين زين جعل الأمر أشبه بكابوس يلاحقه.

مرّر يده بين خصلات شعره للخلف، وبدأ يتجه نحو الباب قائلًا بصوت منخفض لكنه حازم:
«ليس من مصلحتي أن تعرف الآن يا كارل… هو لن يسامحني إن أخبرتك.»

ثم همّ بالمغادرة، لكن كارل صاح بارتباك:
«مهلًا… توقف!»

حاول النهوض ليلحق به، لكن جسده الضعيف خانه، فاجتاحه دوار حاد وأسقطه أرضًا بلا حول ولا قوة.

لمح يورا سقوطه من طرف عينه، لكنه لم يتوقف. واصل خطواته بثبات حتى خرج وأغلق الباب بإحكام خلفه.

ظل كارل يلهث، ينظر إلى الباب غير مصدّق لما حدث. ما السر الذي يخفيه يورا؟ ولماذا يرفض أن يعرفه؟
صرخ بيأس:
«أنت جبان يا يورا! هل تسمعني؟! جبان!»

لكن الرد الوحيد كان الصمت القاتل، يتردد صداه بين جدران الغرفة ويثقل قلبه أكثر.

مال ليستند على السرير، والأفكار تتصادم في رأسه.
لماذا يهربون دائمًا؟
حاول النهوض مجددًا، لكن جسده المنهك لم يطاوعه. زفر بضيق وحدّق في السقف وهو يستلقي على ظهره، يتساءل:
ما الذي يحدث معي؟

الثأر الصامتحيث تعيش القصص. اكتشف الآن