كان لا يزال يذكر معظم التفاصيل التي شكّلت شخصيته...
السحب الوردية في السماء الشفقية فوق البحيرة، ومنزله الصغير المحاط بالغابات والجبال، حيث وُلد وتعلّم أولى خطواته...
يتذكر تساقط حبات الثلج الأولى فوق الجبل، ثم هبوب العواصف التي كانت تعزل منزله، فيحاصره الثلج كجيش صامتٍ مظلم.
ما زال يعز عليه نسيان عزف والدته، ذاك العزف الذي كانت تهفو له حتى حيوانات الغابة، فيراها في بعض الليالي الشتوية تحت ضوء القمر، الأيائل والأرانب واقفة وسط الثلج، تحدق في النوافذ وعيونها تلمع مأخوذة بسحر الموسيقى.
ويتذكر ابتسامة والده... تلك الابتسامة التي تخفي احتقارًا مريرًا للحياة، بعد أن نُبذ لمجرد أنه خالف الأوامر.
لكنه لا ينسى ذلك اليوم الذي تغيّر فيه كل شيء...
كان صيفًا، والمطر يهطل بغزارة غير معتادة، دون مأوى يحميه أو يحمي شقيقه.
كان مجرد طفل لم يتجاوز العاشرة، يركض بلا وجهة بين ممرات الأشجار المتلاصقة، ورائحة الدخان المحترق تلاحقه...
دموعه تنهمر بحرارة، وعيناه تومضان بلهيب الغيظ الممزوج بالألم.
لم يجرؤ على الالتفات، خشي أن يرى بيته، بيته الذي تتصاعد منه أعمدة الدخان نحو الفضاء اللامتناهي... لقد أحرقوه.
لم يصدق أن عائلته قُتلت... دون أن يستطيع فعل شيء. لم يشعر بالعجز من قبل كما شعر حينها.
قبض على يد شقيقه الأصغر بقوة، يدفعه للإسراع، وما زالت ضوضاء خطواتهم تلاحقه، تهمس له بأنهم قريبون... يتتبعونه، يطاردونه، ينوون قتلهما... تصفية عرقية لا يفهم دوافعها.
تجمّدت خطواته حين وجد نفسه أمام طريق مسدود.
تراجع يلهث، يتساءل بيأس: "ماذا أفعل؟"
التفت نحو شقيقه، كأنه يطلب منه إجابة يعلم أنه لن يجدها، لكنها كل ما يملكه الآن.
تلاقت أعينهما، وفي صمتٍ خافت، رأى أخاه الصغير يبتسم له... ابتسامة بثّت في صدره طمأنينة أزاحت غبار التعب، لكنها زادت ألمه، لأنه يعلم أن الصغير لا يُدرك بعد فداحة الموقف، لا يعلم أن الموت يلاحقهم.
تزاحمت الغيوم في فضاء عينيه الزرقاوين وهو ينحني لمستواه ويعانقه بقوة.
همس له:
"ستكون بخير... أعدك."
ثم انفصل عنه، ورفع رأسه يبحث عن طريق آخر...
لكن الفرصة لم تسعفه.
لقد ظهرت ظلالهم السوداء، وملأت الأفق حتى أحاطت به دائرةً متكاملة.
تطلّع إليهم لثوانٍ، تائهًا في عتمتهم، وقد أدرك أن النهاية قد حلّت...
لا مفر، كما يبدو.
انشطر الظلام حين اخترقه ضوء مستقيم، واضعًا إياهم في مدار الرؤية...
كانوا محاصرين من كل اتجاه.
تراجع الفتى الأشقر وهو يشدّ شقيقه خلفه، يحاول حمايته، حين لمحه قادمًا من بعيد...
ذلك القاتل الغامض، الذي استهدف عائلته، لا يزال يحمل مسدسه الكاتم للصوت، يمشي بخطى هادئة، وعلى وجهه ملامح ضجر، كما لو أن هذه المطاردة عبث لا طائل منه، مجرد هدرٍ للوقت.
اشتعلت عينا الفتى الأشقر بالغضب حين تعرّف إلى هويته.
تحرّك ليخفي شقيقه خلف جسده، وكأنه يهمس للعالم: "لن تحصل عليه..."
أنت تقرأ
الثأر الصامت
Vampiroلا توجد بدايه ! فالطريق متشابك كفروع شجرة تعجز عن إيجاد غصن رئيس لها ! لكن ان أثآرك الامر فالحق بي لعل هذا يغير من نظرتك المشتتة شيئاً .. الحق بي وسترى ¡¡¡ _____ #مكتملة
