تنطوي المسافات تحت عجلات سيارته كأن الطريق يبتلعه ابتلاعًا، فيما يتخطى الحواجز بلا أدنى اكتراث لما تتعرض له المرسيدس الأنيقة من خدوش وندوب، وكأنها ضحية لصبره المستنفد. كان يصارع الوقت بسرعة متهورة، ويمتشق الطريق كما تمتشق الرصاصة مسارها الحتمي.
توقف المطر، لكن الغيوم الكثيفة ما زالت تلبّد الأفق حتى مداه البعيد. أجواء كئيبة ورطبة أعادت إلى ذاكرته ذكريات قديمة يأبى الزمن محوها؛ ذكريات تتوارى قليلًا، ثم تجد فرصتها للعودة من جديد، كأنها أقسمت على أن تظل محفورة فيه.
وعلى أعتاب ذلك المنزل، حيث تقيم أسرته، ارتسم أمامه مشهد الحشود الغفيرة من الصحفيين وهم يحاصرون البوابة الفولاذية، بعد أن تسرب إليهم الخبر بأن والده قد تولّى إدارة شؤون العائلة عقب وفاة الجد إليوت.
ترجّل من السيارة، وعيناه تشعّان بوهج عدواني أسر الأنظار فورًا. فهو "رينو"… الوريث الشرعي لعرش العائلة بعد والده. كان شعره البني مصففًا إلى الخلف، وعيناه الحادتان تتعهدان بأشد العقاب لمن تسوّل له نفسه اعتراض طريقه. نظراته المشتعلة أرسلت رسائل صامتة تحت انعكاسات خيوط الشمس المتسللة من بين الغيوم، تتساند مع إضاءة المصابيح الفلورية الخافتة المنتشرة في الفناء.
شق طريقه بخطوات ثابتة، فتناثر الجمع أمامه مفسحين له ممراً حتى ولج بوابة المنزل.
حلّ سكون مهيب رافق ابتعاده، كأن الحاضرين قد سُحروا به، ولم ينتبهوا إلا على أصوات الكلاب الضارية وهي تنقضّ عليهم من كل اتجاه.
وقف رينو على مسافة يراقب المشهد بابتسامة ساخرة، حين رآهم يفرّون كالجرذان تاركين وراءهم معداتهم وأدواتهم.
— «لا أريد أن أرى أي صحفي يقترب من هنا»، قالها للحراس بلهجة قاطعة.
فأومأوا له بالطاعة والانحناء احترامًا، فيما تابع طريقه نحو قاعة الاستقبال، حيث كان عمه أكيتو جالسًا في العتمة، في حالة حداد، قرب الموقد الحجري.
لكن تيارات الرياح الباردة التي رافقت قدوم رينو أيقظت أكيتو من شروده، فرفع رأسه ليلتقي نظرهما في صمت ثقيل.
— «لقد رجعت…» قال رينو بعد دقيقة كاملة من الصمت، ثم أضاف بنبرة متوترة: «ما الذي حصل؟!»
ظل أكيتو يحدّق فيه ساهمًا لبرهة، ثم نهض ببطء، يقترب منه بخطوات رتيبة، حتى وقف أمامه.
— «لقد أرسلت لك رسالة… وإن صدق حدسي، فقد استلمتها.» أنهى كلامه بعينين فارغتين لا تحملان أي بريق.
تكسرت صلابة نظرات رينو، وبدت فيها هشاشة غير مألوفة، قبل أن يتمتم بصوت مهشم:
— «هل… قُتل جدي حقًا؟ لن أراه مجددًا…»
تحجرت الدموع في عينيه، وارتسم على وجهه مزيج من الصدمة والإنكار، فيما قبض كفه حتى ارتجفت أصابعه.
اقترب أكيتو أكثر، ووضع يده على كتف رينو، ثم جذبه ليضمه إلى صدره قائلاً:
— «لقد اختار الانتحار… حتى لا يتلوث شرفه.»
أنت تقرأ
الثأر الصامت
Vampirosلا توجد بدايه ! فالطريق متشابك كفروع شجرة تعجز عن إيجاد غصن رئيس لها ! لكن ان أثآرك الامر فالحق بي لعل هذا يغير من نظرتك المشتتة شيئاً .. الحق بي وسترى ¡¡¡ _____ #مكتملة
