الصمت أحيانًا ليس فراغًا… بل نهرٌ سريّ، تتفجر من أعماقه ينابيع الذكريات. ينساب ببطء، لكنه لا يرحم، يجرفنا على ألحان سنفونية خفية، ويفتح أبوابًا ظننا أننا أغلقناها إلى الأبد.
كان باترك جالسًا في منزله، على كرسي خشبي قديم، بينما خيوط الشمس الحمراء تتسلل من بين نسيج الستائر الكثيف، مثل دماء تتسرب عبر قماش مهترئ. حينها، بدأت الظلال تتحرك في قلب العتمة، تتمدد وتتشكل، حتى صارت صورًا نابضة… صورًا حملته بعيدًا، في رحلة آنية إلى أعمق نقطة في ذاته. إلى ذلك اليوم البعيد… قبل عشرين عامًا.
على شاطئٍ في لندن، حيث الرمل يحتفظ بحرارة الشمس، كان طفل صغير يخطو بتردد. خطواته غير مستقرة، وكأن الأرض تتأرجح تحته. لم يمض وقت طويل منذ أن تعلم المشي، لكن قدميه حملتاه نحو شقيقه الجالس غير بعيد. رفع ذراعيه الصغيرتين في الهواء، ثم اندفع بقبضتيه نحو قميصه، كطفل وجد كنزًا. التفت له باترك بدهشة، ليرى ابتسامة واسعة تسبق ضحكة صافية، تقول بصوت غير مسموع: "وجدتك!".
أدار باترك وجهه، وتنهد بفتور:
— ابتعد يا كارل…
لم يكن يعلم أن والده يراقب بصمت، حتى انكسر ذلك الصمت بعتابٍ جاد:
— باترك، متى ستتعلم أن تكون أكثر لطفًا مع أخيك؟
رفع باترك عينيه نحو أبيه صامتًا. لم يكن يعي لماذا يُلام… فالصغير يلتصق به ليلًا ونهارًا، لا يمنحه مساحة حتى لالتقاط أنفاسه.
اقتربت والدته، تقف إلى جوار والده، وعيناها تحملان مزيجًا من الحنان والرجاء:
— أنتما ستكبران معًا… أعطه بعض الاهتمام، إنه يحبك.
كارل، وكأنه فهم حديثها، زاد من تشبثه بقميص شقيقه، بينما ضوء الشمس يرقص في زرقة عينيه، فيمنحهما بريقًا لا يقاوم… إلا من قِبل باترك، الذي شعر بالثقل يتضاعف على صدره.
لماذا يضعه هذا الطفل في موقف الخاسر دائمًا؟
ابتسم الأب وهو يراقبهما، ثم أخذ زوجته مبتعدًا. وقبل أن يرحل، ألقى بكلماته الأخيرة بنبرة لا تحتمل النقاش:
— سنترككما لتتعلمَا الألفة.
— أبي…!
كانت صرخة قصيرة، محملة بالضيق، لكنهما لم يلتفتا، وتلاشى أثرهما بين ظلال الأشجار.
جلس باترك على الرمال، والملل يثقل كتفيه، بينما كارل يدور حوله، يحاول أن يجره إلى لعبة لم يرغب بها. الشمس تموت ببطء في الأفق، والسماء تتلون بدرجات النار، والرياح تدفع الأمواج لتصنع إيقاعًا يغري المغامرين. في لحظة نزق، نهض باترك، ممسكًا بلوح التزلج. لن أغيب طويلًا… هكذا أقنع نفسه، وهو يتجه نحو الموجة الأكبر.
لم يلتفت إلى كارل الذي ظل يناديه. لم يره وهو يخطو خلفه، بخطوات صغيرة متعثرة.
مر نصف ساعة، وعاد باترك من الماء، وجسده مبلل، وقلبه خفيف من نشوة الانتصار. كان الناس يصفقون، يشيدون بمهارته رغم صغر سنه. بعضهم ابتسم شاكرًا، وكأنه منحهم عرضًا بلا ثمن.
أنت تقرأ
الثأر الصامت
Про вампировلا توجد بدايه ! فالطريق متشابك كفروع شجرة تعجز عن إيجاد غصن رئيس لها ! لكن ان أثآرك الامر فالحق بي لعل هذا يغير من نظرتك المشتتة شيئاً .. الحق بي وسترى ¡¡¡ _____ #مكتملة
