كل شيء هادئ. السماء صافية زرقاء، تحوم في فضائها اللامتناهي أسراب الطيور، وقد اتخذتها ملاذًا، ترفرف بأجنحتها وتنشر لحنًا ما أروعه… امتزج مع الهواء الدافئ، فتمايلت معه أشجار السرو الباسقة، بفروعها المتداخلة المشذّبة بأشكال تخطف أنظار المارين قربها.
كانت الأشجار تصطف بمحاذاة الطريق المرصوف بالأحجار، ذلك الطريق الذي يقود إلى قصور أسرة "أنجلكو" ذات الألوان العاجية. كل قصر فيها بُني على الطراز الفيكتوري، بأبراج عالية تعانق السحب.
مملكة خاصة بهم، حدودها الغابة، يفخرون بها في كل مجلس يجمعهم بالعامة. فهم يخدمون الدولة منذ عقود، وقد مدّوا جذورهم في كل مكان، حتى غدت أسماؤهم وحدها كفيلة بإثارة الدهشة، بل وإشاعة الرعب في النفوس. كانوا عصبة يُحسب لهم ألف حساب، حتى من قبل الأسرة الحاكمة.
لكن… ذلك لم يكن يثير في نفسه شيئًا سوى الحزن والاكتئاب. كونه من "أنجلكو" جرّده من أبسط حقوقه كإنسان، وجعله مجبرًا على سلوك ذات الطريق الذي سلكته الأجيال قبله. طريق لا خيار فيه… فقط آلة قتل تخدم الدولة، لمجرد أنه وُلد في عائلة ذات قدرات تفوق البشر.
لم يستطع أن يصبح طبيبًا، رغم أنه حصل على الشهادة بتفوق. ولم يستطع أن يرتبط بمن أحب، لأن كونه من "أنجلكو" كان عائقًا كبيرًا، جمد حياته داخل المسار الذي رسمته له الأجيال الماضية.
استقام في وقفته، يتطلع إلى السماء بنظرات شاردة ووجه شاحب. كان يشعر بالإنهاك كلما فكّر في الأمر. لمح طائرًا صغيرًا يمر فوق رأسه، فارتسمت ابتسامة باهتة على وجهه. لطالما كان هذا الكائن الصغير مثله الأعلى… لأنه يثمن الحرية. يراوغ ببراعة كل يد تحاول جذبه أو تقييده، على عكس محيط أسرته المحدود.
ليته كان يمتلك إرادة هذا الطائر… فهو يضحّي بالحب لأجل الحرية، لأجل أن لا يكون تحت سلطة أحد.
استفاق من شروده على وقع خطوات غاضبة لشخص اقتحم عزلته فجأة. التفت جانبًا، ليرى "كايت"، شقيقه الأكبر.
مرّ يومان فقط على عودته، وها هو يعود من جديد ليمسك بزمام الأمور. كان من المعتاد أن يفرض وجوده متى شاء، والغريب أن الجميع يذعن له دائمًا، ويسلّمه مقاليد الإدارة والتحكم، رغم أنه لا يتعدى كونه مرشحًا للقيادة… ليس قائدًا فعليًا.
كانت أوامره تُطاع أكثر من أوامر قائد المجلس نفسه، وها هو الآن يجري مقابلات مع المجندين بعد أن تلقى خبر مقتل أحد قادة المعسكر مساء الأمس، وهو صديقه… وبينهما ماضٍ مشترك.
مال "أكيتو" ليسند ظهره إلى الجدار، يلاحظ آثار الأرق على قسمات وجه شقيقه، وقال بصوت منخفض:
– ليست هذه أول عملية… فقد وقعت عمليات قتل عدة لأفراد بارزين من الأسرة قبلها. أعتقد أني أخبرتك.
انخفض صوته أكثر حين رأى "كايت" ينتفض ويرمقه بنظرات شاردة، وكأنه لم ينتبه لوجوده حتى سمع صوته.
أنت تقرأ
الثأر الصامت
مصاص دماءلا توجد بدايه ! فالطريق متشابك كفروع شجرة تعجز عن إيجاد غصن رئيس لها ! لكن ان أثآرك الامر فالحق بي لعل هذا يغير من نظرتك المشتتة شيئاً .. الحق بي وسترى ¡¡¡ _____ #مكتملة
