36

3.9K 377 262
                                        

في تلك الغرفة المعزولة عن العالم، كانت الضوضاء الميكانيكية تتشابك مع نبضات منتظمة للأجهزة، كأن المكان كله قلب معدني ضخم ينبض بلا توقف. الصوت وحده كان كافيًا لأن ينهك أعصاب أي شخص، يثقب الصمت الداخلي ويجعل التفكير مهمة ثقيلة. ومع ذلك، لم يكن يشغل بال كارل أي من ذلك… كل انتباهه كان مشدودًا إلى الفيديوهات التي تتوالى أمامه، تسحب روحه معها إلى أعماق مظلمة.

عيناه، على الرغم من برودتهما الزجاجية، كانتا تكشفان الحطام العاطفي الذي يتراكم بداخله. هيئته الخارجية تحاول الإيحاء بالتماسك، لكن كل مشهد كان يطرق على ذاكرته بوحشية، يدفعه أكثر نحو يقين أنه يواجه فراغًا كاملًا في الماضي.

معظم المقاطع تعود إلى فترة متقاربة، قبل ثمانية عشر أو تسعة عشر عامًا، حين كان طفلًا في الرابعة أو الخامسة. لا يتذكر منها شيئًا… إلا ما يتسرب أحيانًا من عقله كفتات ذكريات مشوهة، أو كوابيس تباغته ليلًا، تتركه مبلل العرق وممزق الأعصاب.

في أحد المشاهد، حقنوه بسموم قاتلة. في آخر، حاولوا إغراقه في حوض زجاجي مغلق. وفي تجربة أخرى، قطعوا أوردة يديه وتركوه ينزف حتى الموت.
لكن المشهد الأخير كان القشة التي كسرت حاجز إنكاره… لقطة غير واضحة، لكنها مألوفة حد الألم — صفوف من الرجال يرفعون بنادقهم نحوه، تمامًا كما رآه في تلك الليلة التي ظنها حلمًا. الجودة الرديئة للفيديو لم تُخفِ حقيقة أنه يتذكر كل تفصيلة بوضوح.

– «يكفي…» قالها بنبرة متحشرجة، الغضب يشتعل في صدره بينما شعر بالأرض تحت قدميه تخون ثباته.

أومأ العجوز نحو ليون لإيقاف الشريط. اتكأ كارل على الجدار، يحاول أن يحكم قبضته على انفعالاته. يداه ترتعشان، وجهه يشتعل بحمرة الغضب. إن كان هذا حقيقيًا، فهو لا يموت… أي لعنة هذه؟!
مرر يده بعنف على رأسه، كأنه يحاول محو الصور من ذاكرته، لكن كل ما يتمناه في تلك اللحظة أن تُمحى تلك المقاطع من وجوده بالكامل.

العجوز، من خلف جدران الكبسولة، كان يراقبه بعيون ماكرة. بالنسبة له، كارل هو التجسيد الحي للمعجزة التي انتظرها طويلًا. ابتسامة باهتة ارتسمت على وجهه، وصوته المبحوح يتسلل عبر مكبر الصوت:
– «لقد أخبرت والدك أنك هنا… سيصل خلال ساعة على الأكثر. وبما أنك موجود، ما رأيك باتفاق؟»

كارل اكتفى بالصمت، نظرة عينيه تحذر من السوء. لقد استشف ما يخطط له هذا العجوز البغيض، وانتبه أنه كان حاضرًا في معظم تلك الفيديوهات، وربما المسؤول عنها جميعًا قبل أن تتولاها كايت.

– «أنت تستغل كين لمآربك… أليس كذلك؟» قال كارل وهو يمسح العرق البارد عن جبينه الشاحب.
– «أريد الحصول على خبرات سيباستيان الطبية… وأنت وكين ويورا جزء أساسي من ذلك.»

ابتسم كارل بسخرية وهو يعتدل واقفًا، محاولًا أن يبدو متماسكًا. فما شاهده ما زالت أصداؤه حاضرة في ذهنه، يضغط على أعصابه ويحاول جاهدًا ألّا يسمح لذكرياته بأن تهاجمه، فذلك سيضعه في ورطة حقيقية إذا استغلّوها كنقطة ضعف ضده.

الثأر الصامتحيث تعيش القصص. اكتشف الآن