كانت السماء مغطاة بالغيوم الرمادية الثقيلة التي تبعث إحساسًا بالهدوء والتأمل. المطر كان يتساقط بخفة، وكأنه يداعب الأرض بلمسات ناعمة. رائحة التراب المبلل اختلطت بنسيم المساء البارد، مما أضفى على الحديقة جوًا هادئًا ساحرًا. عقارب الساعة تشير إلى السابعة مساءً، لكن الجو بدا أكثر قتامة بسبب السحب المتراكمة.
في الحديقة الخلفية للفناء الواسع، كانت الأضواء الخافتة تتراقص فوق الطاولات الخشبية والأرائك المبطنة بالوسائد الناعمة. كان الرباعي جالسًا في أماكنهم المفضلة، كل واحد منهم غارق في عالمه الخاص، لكنهم رغم ذلك متصلون بصمت غير مرئي، وكأن وجودهم معًا كان كافيًا ليشعروا بالراحة.
ميلان كانت مستلقية برأسها في حضن أختها رزان، تبدو هادئة تمامًا. شعرها الأسود الطويل كان يتناثر فوق ساقي رزان، وهي تضع سماعات الأذن البيضاء الصغيرة، وتحدق بشاشة هاتفها بتركيز واضح. شفتيها تتحركان أحيانًا مع أحداث المسلسل الذي تشاهده، وتظهر على وجهها تعبيرات متغيرة، بين الابتسامة الخفيفة والدهشة العابرة.
رزان، من جهتها، كانت جالسة بوضعية مريحة، ساقيها متقاطعتان، وظهرها مستند إلى الأريكة الوثيرة. كانت تمسك هاتفها هي الأخرى، لكن بعكس ميلان، لم تكن تشاهد شيئًا؛ بل كانت تتصفح
رسائل البريد الإلكتروني. عيناها الواسعتان
تراقبان الشاشة بتركيز، لكنها لم تتوقف عن تمرير يدها على شعر ميلان بلطف، كأنها تهدئها من غير أن تنظر إليها.
أركون كان الأكثر حركة وضجة في المجموعة. كان مستلقيًا على الأريكة المجاورة، وساقاه الطويلتان متقاطعتان بشكل فوضوي. كان يمسك هاتفه بكلتا يديه، وأصابعه تتحرك بسرعة فوق الشاشة. بدا غارقًا في لعبته القتالية، وكلما حقق فوزًا، أطلق ضحكة قصيرة مليئة بالحماس، مما جعل ميلان تلتفت أحيانًا نحوه بنظرة مزعوجة لكنها لم تقل شيئًا.
لقد قتلتُ الفريق بأكمله! صاح أركون بفخر، وهو يلوح بهاتفه أمام رزان التي نظرت إليه بنظرة هادئة وردّت ببرود: أحسنت، ولكن هل تذكر أنك فشلت ثلاث مرات متتالية قبل ذلك؟
ضحك أركون بصوت أعلى وقال ساخرًا: لا أحد يذكر الأخطاء، الكل يتذكر الانتصارات.
ما رأيك أن تكون أكثر هدوءًا؟ ميلان تحاول مشاهدة مسلسلها.
عاد إلى اللعب وهو يضحك بصوت خافت.
أما أدريان، فقد كان يجلس بعيدًا قليلًا عنهم، على كرسي خشبي كبير مزود بمسند مريح. أمامه كان الحاسوب المحمول مفتوحًا، وشاشة مليئة بالمخططات والرسائل والصفقات التجارية المعقدة. أصابعه كانت تتحرك بخبرة فوق لوحة المفاتيح، ووجهه كان متجهمًا قليلاً، لكنه حافظ على هدوئه المعتاد.
لم يكن أدريان يرفع عينيه عن الشاشة إلا بين الحين والآخر عندما يسمع ضحكة أركون أو همهمة ميلان الغاضبة. أحيانًا كان يبتسم بشكل خافت دون أن ينتبه أحد، لكنه سرعان ما يعود إلى عمله بتركيز شديد.
مع مرور الوقت، ازداد الجو برودة، وتكاثفت السحب أكثر. بدأت رذاذات المطر تصبح أثقل قليلاً.
فجأة، قطع أركون الصمت بقوله بصوت مرتفع ومليء بالحماس، وكأنه يوشك على سرد قصة مرعبة:
سوف يأتي الآن... هوبليك.
رفعت رزان حاجبيها باستغراب، بينما توقفت ميلان عن مشاهدة مسلسلها، ونزعت سماعات الأذن ببطء وكأنها تريد سماع التفاصيل بوضوح أكثر.
من هو هذا؟ هل هو صديقكم؟ سألت ميلان بصوت متردد، وهي تنظر إلى أركون بعيون مليئة بالفضول والخوف.
ابتسم أركون ابتسامة خبيثة، أظهر فيها كل حبه لإخافة الآخرين وقال: لا، ليس صديقنا. هوبليك كان جارنا قبل 13 سنة، لكنه مات بطريقة غامضة ومرعبة. ومنذ ذلك الحين، أصبحت روحه عالقة بهذا الحي، وتحديدًا تأتي عندما تسقط الأمطار... مثل الآن.
سقطت الكلمات كالصاعقة على ميلان، التي تحركت بسرعة، تاركة هاتفها خلفها وركضت باتجاه أدريان، لتختبئ في حضنه وكأنها طفلة صغيرة تبحث عن الأمان.
رفع أدريان عينيه من الحاسوب بهدوء، ونظر إلى أركون بنظرة باردة وحادة جعلته يتجمد في
مكانه للحظة، ثم قال بلهجة منخفضة ولكن حادة كالسيف: إذا لم تتوقف عن إخافتها، أركون، فسوف أقتلك.
عمّ الصمت لثوانٍ قليلة، قبل أن يعود أركون إلى لعبته متظاهرًا باللامبالاة، لكن الجميع لاحظوا أنه خفض صوته ولم يعد يتحدث كثيرًا.
أدريان، من ناحيته، تنفس بهدوء ونظر إلى ميلان، التي كانت لا تزال متشبثة به، وابتسم لها مطمئنًا، مما جعلها تشعر براحة أكثر.
لا تهتمي لكلامه، إنه فقط يحب المزاح السخيف. قال بصوت هادئ وهو يربت على شعرها برفق.
رفعت ميلان رأسها ونظرت إليه بعينيها الواسعتين، ثم ابتسمت بخجل وقالت: أعلم أنه يمزح، لكن قصته بدت مخيفة جدًا... وأنا لا أحب الأشباح.
ضحك أدريان بصوت خافت، ثم أمسك وجهها بلطف بيديه وقال: أنا هنا، ولن أسمح لأي شيء بإخافتك.
احمر وجهها قليلًا وأخفضت عينيها، لكنها شعرت بتحسن كبير.
في النهاية، هدأ الجو، وبقي الرباعي مستمتعين غم انشغال كل منهم بعالمه الخاص. ومع مرور الوقت، بدأت الغيوم تتفرق تدريجيًا، لكنها تركت خلفها رائحة المطر الجميلة التي زادت من إحساسهم بالراحة والأمان.
أنت تقرأ
𝑰 𝑾𝑨𝑵𝑻 𝒀𝑶𝑼 𝑭𝑶𝑹 𝑴𝒀𝑺𝑬𝑳𝑭 𝑶𝑵𝑳𝒀 ❀
Action😊🥰"هو الأسد الملكي الذي يتصدى للتحديات بشجاعة وقوة، بينما هي الفراشة الرقيقة التي تحمل جمالاً بريئاً يعكس سحرها بدون جهد." " هو الجبل الشامخ الذي يثبت صلابته أمام العواصف، بينما هي الزهرة الصغيرة التي تنمو براءة في أعماق الوديان." " هو الصخر الصلب...
