بارت 74

23 0 0
                                        

وقف توماس في مكانه، نظراته ثابتة على الرجل الذي يقف أمامه. لأول مرة في حياته، شعر أن الزمن توقف، أن العالم بأسره أصبح مجرد ضباب، ولم يتبقَّ سوى هو وهذا الرجل... أو بالأحرى، هذا الأخ الذي ظن أنه فقده إلى الأبد.
حاول أن يتحدث، أن يقول شيئًا، لكن الكلمات لم تجد طريقها إلى لسانه، وكأنها تلاشت في زحمة المشاعر التي اجتاحته في تلك اللحظة. ولكنه لم يكن بحاجة إلى الحديث، لأن أوليفر كان قد سبقه بالكلام، نبرته كانت هادئة، لكنها تحمل في داخلها ثقلًا هائلًا من المشاعر غير المنطوقة.
يعني... شكوكي كانت صحيحة... أنت أخي، أليس كذلك؟
كانت كلمات أوليفر بطيئة، وكأنه لا يزال يحاول استيعاب الحقيقة التي قفزت أمامه فجأة. توماس لم يرد، كان فقط ينظر إليه بعينين واسعتين، غير قادر على تصديق ما يحدث.
لكن أوليفر لم يتوقف. تابع بصوت هادئ لكنه يحمل في طياته غضبًا مكبوتًا، ألمًا استمر لسنوات طويلة:
أنا أخوك... الأخ الذي تخلى عنه والدك قبل 16 عامًا... أريد أن أعرف كل شيء، أريد أن أفهم لماذا حدث هذا... لماذا لم تبحثوا عني؟ لماذا تركتموني وحدي؟
ارتجف توماس، شعر كأن رياحًا باردة اخترقت قلبه، لكن أكثر ما أصابه كان الجملة الأخيرة...
الشيء الوحيد الذي أتذكره قبل أن أفقد ذاكرتي... هو صوت أمي وهي تغني لي، وصوتك أنت، عندما ناديتك... ناديتك باسمك... توماس...
ارتجفت شفاه توماس، شعر كأن شيئًا ما انفجر في داخله، شيء ظل محبوسًا طوال 16 عامًا، شيء لم يسمح لنفسه بالتفكير فيه أبدًا لأنه كان يعلم أن التفكير فيه سيقتله ببطء.
أخبرني بكل شيء...
أوليفر كان أمامه، أخوه... أخوه الذي قضى 16 عامًا يبحث عنه، الذي ظن أنه لن يراه مجددًا، الذي حلم آلاف الليالي أن يجده، أن يسمع صوته، أن يتأكد أنه بخير...
لم يستطع توماس منع نفسه، لم يهتم لما سيقوله الآخرون، لم يهتم لأي شيء آخر...
خطا خطوة إلى الأمام، ثم أخرى، قبل أن يندفع إلى الأمام ويحتضن أوليفر بقوة، وكأنه يخشى أن يختفي من بين يديه.
أوليفر... لا أصدق... لا أصدق أنك هنا... لا أصدق أنك أمامي...
كانت كلماته مختنقة، متقطعة، وكأنها تخرج من قلبه مباشرة.
لقد بحثت عنك طوال 16 عامًا... لقد اعتقدنا أننا فقدناك للأبد...
لم يرد أوليفر، لم يتحرك حتى، وكأن الصدمة لا تزال تمنعه من استيعاب ما يحدث. لكنه شعر بجسده يسترخي ببطء داخل هذا العناق الدافئ... هذا العناق الذي لم يشعر به منذ 16 عامًا.
توماس أبعده قليلًا، نظر إلى ملامحه، كان يحاول أن يحفظ كل تفاصيل وجهه، وكأنه لا يصدق أن هذا حقيقي.
أمي... سوف تكون سعيدة جدًا عندما تراك... لقد كانت حزينة جدًا... اعتقدت أنها خسرتك للأبد...
عندما سمع أوليفر هذه الكلمات، شعر بشيء ينهار في داخله، شيء ظل يحمله طوال سنوات الضياع هذه...
أمي... هل... هل لا تزال تتذكرني؟
توماس حدّق به وكأن سؤاله كان ضربًا من الجنون.
بالطبع! كيف يمكن لها أن تنساك؟! لقد كانت تذكرك كل يوم، كانت تنادي اسمك حتى في أحلامها، كانت تبكي كلما نظرت إلى صورك، كلما تذكرت ضحكتك، كلما فكرت أنك في مكان ما وحدك... لقد كانت تعاني أكثر مما يمكنك تخيله، أوليفر... كنا جميعًا نعاني.
شعر أوليفر بدموعه تتجمع في عينيه، لكنه رفض السماح لها بالسقوط. ليس بعد... ليس الآن.
لكن... لماذا لم تبحثوا عني؟
كانت هذه هي الجملة التي ظل يحملها في قلبه طوال هذه السنوات... لماذا لم يأتِ أحدٌ ليأخذه؟ لماذا تركوه وحيدًا؟
توماس تنفس بعمق، نظراته أصبحت حزينة، وكأن الحديث عن الماضي يؤلمه بقدر ما يؤلم أوليفر.
لقد بحثنا عنك... بحثنا عنك في كل مكان... لكن والدنا... كنان... لم يكن يريد أن نجدك.
شعر أوليفر بقلبه يغرق في الظلام مرة أخرى، اسم والده كان كفيلًا بإشعال النيران في صدره.
ماذا تعني؟!
لقد... لقد كان هو من أخذك منا.
كان ذلك كافيًا، كافيًا ليجعل أوليفر يبتعد خطوة، وكأن صاعقة ضربته في مكانه.
مستحيل... مستحيل...
توماس نظر إليه بألم، يعلم أن ما يقوله قد يدمّره، لكنه لم يكن هناك وقت للأكاذيب.
أوليفر... والدنا رماك... رماك لتنعلم اين ولكنه ابعدك عنا... لقد فعلها ليتخلص منك لأنك كنت داىما ما تدافع عن أمي... ولم يكن يريد منا أن نجدك أبداً.
وقف أوليفر في مكانه، شعر أن جسده بالكامل بدأ بالارتجاف، أن أنفاسه أصبحت ثقيلة، أن كل شيء كان مجرد كابوس مرعب لا يستطيع الاستيقاظ منه.
لا... هذا غير صحيح... هذا ليس صحيحًا!
لكن توماس لم يتوقف، لم يستطع التوقف، كان عليه أن يخبره بالحقيقة، حتى لو كانت ستحطمه.
هذا هو السبب في أننا لم نجدك... لأن والدنا تأكد من أننا لن نفعل.
صمت توماس للحظة، ثم أكمل بصوت منخفض، وكأنه يوشك على البكاء.
لكني لم أستسلم، أوليفر... كنت أعلم أنك في مكان ما، كنت أعلم أنك لم تمت، كنت أعلم أنني سأجدك يومًا ما...
اقترب منه مرة أخرى، وضع يديه على كتفيه بقوة، نظر في عينيه مباشرة.
والآن... وجدتك.
شعر أوليفر أن قدميه لم تعد قادرة على حمله، شعر أن العالم كله يدور من حوله، لكن وسط كل هذا، كانت هناك حقيقة واحدة واضحة أمامه...
لقد وجد عائلته أخيرًا.
♡♕••••••••••••♡♕
كان أدريان يصعد الدرجات بسرعة، خطواته تكاد تتعثر من شدة القلق، أنفاسه متلاحقة وهو يحاول اللحاق بأندرو الذي بدا وكأنه في سباق مع الزمن. شيء ما كان خاطئًا، خاطئًا جدًا، وكان بإمكانه أن يشعر بذلك في الهواء المحيط بهم، كأنه سحابة سوداء ثقيلة تخنق المكان.
خلفه، تبعه الجميع دون تردد-أركان، رزان، ميلان، وكيراز-كلهم يشاركونه القلق نفسه، العيون مليئة بالحيرة والخوف مما ينتظرهم في الأعلى. وما زاد الأمر سوءًا أن صوت التحطيم والصراخ كان يزداد قوة مع كل خطوة يقتربون بها.
وعندما اقتحم أدريان الغرفة، وقف للحظة مصدومًا مما رآه.
كانت الغرفة في حالة فوضى مطلقة.
الأثاث مقلوب، الزجاج محطم، الأوراق ممزقة وملقاة في كل مكان. وسط هذا الدمار، كان أندرو، واقفًا بين الحطام، وجهه محمر من الغضب، وعيناه تشتعلان بجنون لم يره فيهما من قبل. كان يصرخ، يرمي كل شيء أمامه بعنف، وكأن العالم بأسره أصبح عدوه في تلك اللحظة.
اللعنة! اللعنة!
ضرب بيده على الطاولة، فتبعثر المزيد من الأشياء على الأرض.
ما الذي يحصل؟! ماذا حدث لها؟! لماذا... لماذا تغيرت فجأة؟!
لم يفهم أدريان شيئًا، لكن رؤية أندرو في هذه الحالة كانت كافية ليعرف أن الأمر خطير جدًا. اندفع نحوه، أمسكه من ذراعيه بقوة محاولًا تهدئته.
اندرو! توقف! ما الذي يجري؟ أخبرني!
لكن أندرو لم يكن يسمعه، لم يكن يرى شيئًا سوى الفوضى في عقله، سوى السؤال الذي كان يدمره من الداخل.
لماذا، أدريان؟! لماذا غيرت رأيها فجأة؟ لماذا؟! لماذا تريد الابتعاد عني؟!
في تلك اللحظة، كان الجميع قد دخلوا الغرفة. أركان، رزان، ميلان، وكيراز، جميعهم وقفوا في صدمة مما يحدث، غير قادرين على فهم أي شيء. وبعد لحظات، ظهر توماس وأوليفر أيضًا، بعد أن استمعوا إلى الأصوات القادمة من الأعلى.
كان الجميع ينظر إلى أندرو، إلى الدمار من حوله، لكن أكثر ما أرعبهم هو الألم الذي كان واضحًا في صوته، الألم الذي كاد يمزقه حيًا.
تقدم أركان بخطوات حذرة، عاقدًا حاجبيه بقلق.
أندرو... ماذا حدث؟ لماذا تفعل هذا؟ أين إيليف؟
عند سماع اسمها، صرخ أندرو بغضب أكبر، دفع أدريان بعيدًا عنه، ثم مرر يديه في شعره بعنف، وكأنه يحاول منع رأسه من الانفجار.
هي... طلبت مني الابتعاد! قالت إنها لا تريدني بعد الآن!
ساد الصمت لثوانٍ... الجميع وقفوا في أماكنهم وكأنهم لم يستوعبوا ما سمعوه للتو.
ماذا؟
كانت هذه هي الكلمة الوحيدة التي تمكنت رزان من قولها بصوت خافت، وكأنها تخشى أن يكون ما سمعته صحيحًا.
لكن أندرو، بعينين غاضبتين، واصل الحديث، كلماته كانت كالسهام المسمومة التي تخترق صدره قبل أن تخرج من فمه.
قالت إنها لا تريدني في حياتها! طلبت مني أن أبتعد عنها!
نظر إليهم جميعًا، وكأنه ينتظر منهم أن ينفوا ما حدث، أن يخبرونه أن هذا مجرد كابوس سخيف، لكنه لم يجد شيئًا سوى الصدمة على وجوههم.
توماس، الذي كان يستمع بصمت، تنفس بعمق قبل أن يسأل بجدية: هل أنت متأكد؟ هل هذا ما قالته حقًا؟
أندرو نظر إليه بغضب، وكأن مجرد السؤال كان إهانة له.
هل تعتقد أنني سأمزح بشأن شيء كهذا؟!
ميلان، التي كانت تراقب بصمت، وضعت يدها على فمها في صدمة.
كيراز نظرت إلى أركان، وكأنها تبحث عن تفسير، لكنه لم يكن لديه أي إجابة.
أما أوليفر، فقد عقد ذراعيه، نظراته باردة لكنه كان يفكر بعمق.
رزان، التي كانت لا تزال غير قادرة على تصديق الأمر، تقدمت خطوة إلى الأمام وقالت بحذر: أندرو... إيليف لن تفعل شيئًا كهذا دون سبب... لا بد أن هناك شيئًا ما يحدث.
لكن أندرو، الذي كان على حافة الانهيار، صرخ بانفعال: هذا هو السؤال! لماذا فعلت ذلك؟! لماذا؟!
ضرب بقبضته على الحائط بقوة، وكأن الألم الجسدي قد يساعده على نسيان الألم الذي كان يشعر به في قلبه.
لماذا؟!
ولكن لم يكن هناك إجابة.
لم يكن هناك سوى الصمت... والدمار... والقلوب التي بدأت تنكسر واحدة تلو الأخرى.
ساد الصمت الثقيل كأنه سحابة سوداء خيمت فوق الجميع. لم يكن هناك سوى صوت أنفاسهم المتوترة ورنين الهاتف الذي قطع السكون فجأة. التفت توماس سريعًا نحو الجهاز، رأى الاسم الذي ظهر على الشاشة، فشعر بضيق غريب في صدره.
إليف.
لم يتردد لحظة، ضغط على زر الإجابة بسرعة، وقبل أن يمنحها فرصة للكلام، اندفع قائلاً بقلق واضح:
ماذا يحدث؟ أين أنت؟!
نظر الجميع نحوه فورًا، وكأنهم جميعًا كانوا ينتظرون إجابة على السؤال الذي كان يحرق أندرو من الداخل. حتى أندرو، الذي كان لا يزال في حالة غضب، تجمد في مكانه وحدق في توماس، ينتظر أي كلمة تخرج من الهاتف.
ثم جاء الصوت...
كان ضعيفًا، مرتجفًا، محملاً بالدموع التي لم تتوقف. شهقاتها كانت واضحة، وكأنها بالكاد تستطيع التقاط أنفاسها بين كلماتها.
أنا... في منزل خالي... أخي... لماذا تعاقبني الحياة بهذه الطريقة؟ لماذا يجب أن أعاني كل يوم؟ لماذا أجعل الجميع يعاني معي؟
شعر توماس بانقباض في قلبه، صوته أصبح أكثر حنانًا وقلقًا وهو يقول بسرعة:
إليف... صغيرتي... ماذا حصل؟ هاا؟ توقفي عن البكاء وأخبريني.
لم يتحمل أندرو أكثر، اقترب بخطوات سريعة محاولًا انتزاع الهاتف من يد توماس، لكن الأخير ابتعد قليلًا، وبدلًا من ذلك، أشعل مكبر الصوت. لم يكن هناك مجال لإخفاء الأمر الآن، الجميع يجب أن يسمعوا.
تجمدت الأنفاس، ساد الصمت التام مرة أخرى عندما جاء صوت إليف عبر السماعة، صوتها كان مليئًا بالألم، بالحزن، وكأنها كانت تتحدث من قلب محطم.
لا أستطيع أن أخبرك، أخي... لا أستطيع... حسنًا، سأغلق الآن.
"إليف، انتظري-"

𝑰 𝑾𝑨𝑵𝑻 𝒀𝑶𝑼 𝑭𝑶𝑹 𝑴𝒀𝑺𝑬𝑳𝑭 𝑶𝑵𝑳𝒀 ❀قصص لتهوسّ بها. اكتشف الآن