بارت 69

36 0 0
                                        

بعد ساعات من الضحك والدراما، هدأت الأجواء تمامًا. كانت رزان قد غادرت غرفة إليف إلى غرفتها الخاصة، بينما بقيت ميلان في مكانها المعتاد، جالسة على الأريكة، مستغرقة في هاتفها كما تفعل دائمًا، تمرر الشاشة بأصابعها دون اكتراث لما يدور حولها. أما إليف، فكانت مستلقية على سريرها، تنظر إلى السقف بعينين شبه مغلقتين، وكأنها تحاول الهروب من واقع أفكارها المتضاربة.
في هذه اللحظة، لم تكن الفتاة المرحة والمشاغبة التي اعتاد الجميع على رؤيتها. كانت مختلفة... أكثر هدوءًا، وأكثر هشاشة. وضعت يدها الصغيرة على صدرها، محاولةً التركيز على الإحساس بنبضات قلبها المتسارعة. أخذت نفسًا عميقًا، ثم زفرته ببطء، وكأنها تحاول تهدئة العاصفة التي تدور في داخلها.
بعد لحظات من الصمت، تحركت شفتاها أخيرًا، وخرج صوتها هادئًا، لكنه محمل بثقل المشاعر.

"هل أنا فتاة سيئة؟" همست لنفسها، وكأنها تحاول استيعاب إجابة لهذا السؤال الذي أرهق عقلها. رمشت عدة مرات، ثم بللت شفتيها الجافتين وأكملت بصوت متهدج:
أنا لا أفهم نفسي أحيانًا... لماذا تصرفت بهذه الطريقة؟ لماذا أغلقت الهاتف في وجهه؟ هو لم يقل لي شيئًا سيئًا، لم يكن غاضبًا، لم يكن حتى يوبخني... لكنه كان ينتظر مني إجابة، كان يستمع لي، لكنه لم يجد مني سوى صمت قاسٍ ونهاية مفاجئة للمكالمة. ماذا لو كان حزينًا الآن؟ ماذا لو شعر أنني لا أقدّره؟ ماذا لو كان مستاءً مني لكنه لا يريد أن يظهر ذلك؟
تنهدت بعمق، ومررت يدها فوق وجهها بإرهاق، وكأنها تحاول محو كل الأفكار المزعجة من عقلها، لكنها كانت عالقة هناك، تأبى الرحيل.
إنه يحبني... أعرف ذلك، أشعر بذلك في كل مرة ينظر إليّ، في كل مرة يتحدث معي بلطف، في كل مرة يتحمل تصرفاتي الطفولية دون أن يغضب حقًا. لكنه إنسان أيضًا، لديه مشاعره، لديه حدود لصبره. ماذا لو كنت قد تخطيت تلك الحدود اليوم؟ ماذا لو بدأتُ أتحول إلى عبء عليه؟
أغمضت عينيها للحظات، ثم فتحتها ببطء، محدقة بالسقف وكأنها تحاول البحث عن إجابات هناك.
لماذا أنا هكذا؟ لماذا أؤذي الأشخاص الذين يحبونني أكثر من أي شخص آخر؟ لماذا أفعل أشياءً أندم عليها لاحقًا؟ هو دائمًا هناك من أجلي، دائمًا يحاول فهمي، دائمًا يسامحني مهما فعلت... لكن إلى متى؟ إلى
متى سيستمر في مسامحتي؟ هل هناك نقطة سينتهي عندها صبره؟ هل سيأتي يوم يقرر فيه أنني لم أعد أستحق اهتمامه؟ لم أعد أستحق مكانًا في حياته؟
شعرت بغصة في حلقها، فعضت على شفتها السفلى بقوة، محاولة كتم مشاعرها التي بدأت تفيض على شكل دموع صامتة.
أشعر أنني أقوم بجرحه كثيرًا... لا أقصد ذلك، لا أريد ذلك، لكنني أفعل ذلك رغمًا عني. أحيانًا، أتصرف وكأنني لا أهتم، وكأنني لا أقدر وجوده، لكن الحقيقة هي أنني لا أستطيع العيش بدونه... لا أستطيع حتى تخيّل حياتي من دونه. هو الوحيد الذي يجعلني أشعر أنني لست وحيدة، أنني محبوبة، أنني مهمة لشخص ما...
رفعت يدها نحو السقف، وكأنها تحاول الإمساك بشيء غير مرئي، ثم أنزلتها ببطء لتضعها فوق قلبها مرة أخرى.
لو لم يكن أندرو في حياتي... لا أعرف أين كنت سأكون الآن. ربما كنت سأكون مجرد ظل، شخصًا بلا معنى، بلا هدف، بلا سبب للاستمرار. وربما... ربما لم أكن سأكون هنا على الإطلاق.
ارتجفت شفتاها قليلاً بعد هذه الكلمات، لكنها لم تتوقف عن الحديث، وكأنها تحتاج إلى إخراج كل هذه الأفكار من داخلها.
لا أحد يفهمني كما يفعل هو، لا أحد يصبر عليّ كما يفعل هو. أحيانًا، أشعر أنني لا أستحقه، لا أستحق هذا الحب الذي يمنحني إياه بلا مقابل. أنا فقط... خائفة. خائفة من أن يأتي يوم، ينظر فيه إليّ، لكنه
لا يرى فيّ تلك الفتاة التي كان يحبها. خائفة من
أن يتعب، أن يمل، أن يقرر أنه لم يعد يريدني في حياته.
أغمضت عينيها مجددًا، هذه المرة بشدة، محاولةً منع الدموع من الانهمار أكثر.
لا أريد خسارته... لا أريد أن أجعله يشعر بالسوء بسببي. يجب أن أعتذر له، يجب أن أخبره أنني لم أقصد ذلك، أنني فقط كنت غاضبة ومشتتة. لكنه لا يستحق ذلك. هو يستحق شخصًا أفضل مني، شخصًا لا يؤذيه، لا يجعله يشعر بالقلق دائمًا.
لكنها لم تتحرك، لم تأخذ هاتفها، لم تتصل به. فقط بقيت هناك، غارقة في أفكارها، تائهة بين مشاعرها المتناقضة، غير قادرة على اتخاذ خطوة نحو إصلاح الأمور، رغم أنها تعلم في أعماقها أنها يجب أن تفعل ذلك.
•••••••••♡♕
داخل الغرفة المليئة بالهدوء، كانت إليف مستلقية على السرير، وعيناها متورمتان قليلًا من البكاء. رغم ذلك، كانت تحاول استعادة هدوئها، لكنها شعرت بالإرهاق العاطفي بعد حديثها مع أندرو. لم تكن تريد أن يراها أحد في هذه الحالة، لكنها لم تكن تعلم أن ميلان كانت تراقبها من بعيد.
ميلان، التي كانت تجلس على الأريكة في زاوية الغرفة، رفعت هاتفها ببطء، وابتسمت بمكر وهي تحاول التقاط صورة لأختها النائمة التي بدت كالأميرات. ولكن، قبل أن تتمكن من التقاط الصورة، فتحت إليف عينيها فجأة، وحدّقت بها بحدة.
"ماذا تفعلين؟" سألت إليف بصوت متعب لكنه محمل بالشك، نظرتها كانت مباشرة وباردة قليلًا، مما جعل ميلان تشعر بالتوتر.
ميلان، التي لم تتوقع أن تُكشف بهذه السرعة، ابتسمت بخجل مصطنع وأخفضت هاتفها بسرعة، قائلة بتوتر واضح: لا شيء! ههه... فقط... فقط أردتُ التقاط صورة لأختي الجميلة، تبدين كالأميرة وأنتِ نائمة، لطيفة جدًا و... وجميلة أيضًا! هههه.
لكن، مع اقترابها أكثر، لاحظت ميلان الحمرة الواضحة في عيني إليف، مما جعل القلق يظهر على وجهها. تركت المزاح جانبًا وسألت بجدية: إليف... هل كنتِ تبكين؟
إليف، التي لم تكن تريد الاعتراف بذلك، مسحت عينيها بسرعة وحاولت التظاهر باللامبالاة، ثم قالت بنبرة منزعجة وهي تعود للاستلقاء: لا، لم أكن
أبكي. ميلان، دعيني وشأني، إما اجلسي بهدوء أو
اخرجي.
لكن ميلان لم تستمع لكلامها، بل جلست بجانبها بعناد واضح، رغم أنها كانت مترددة قليلًا وخائفة من أن تصرخ عليها إليف فجأة. الحقيقة أن ميلان لم تكن لتتجرأ على الاقتراب منها لولا أن أندرو أجبرها على ذلك وهددها إن لم تحاول التخفيف عن إليف، فلن يكون الأمر جيدًا بالنسبة لها.
بابتسامة متوترة قليلاً، قالت ميلان وهي تحاول أن تبدو طبيعية: إليف، أختي صغيرتي، اسمعيني فقط......
لكن قبل أن تكمل جملتها، قاطعتها إليف بسرعة وهي تجلس فجأة على السرير، وملامحها تحمل غضبًا مضحكًا أكثر من كونه حقيقيًا: ميلان! كم مرة يجب أن أقولها؟ لا تناديني بصغيرتي! أقسم أنني سأخنقك أنتِ وكل من يقولها، هل تفهمين؟!
ميلان، التي لم تستطع منع نفسها من الضحك، رفعت يديها بتوتر وكأنها تستسلم، وقالت بضحكة خفيفة:
حسنًا، حسنًا، فهمت يا إليف، لن أقولها مجددًا!
لكن فجأة، خطرت لها فكرة ماكرة، فابتسمت بمكر قبل أن تقول: لكن ماذا عن أندرو؟ إنه يقولها طوال الوقت، ألن تغضبي عليه؟
عند ذكر اسم أندرو، تغيرت تعابير إليف فجأة، خفت الغضب من وجهها، وحلّ مكانه حزن واضح. نظرت بعيدًا قليلًا، وكأنها تحاول إخفاء مشاعرها، ثم همست بصوت منخفض لكنه واضح بما يكفي لميلان لسماعه: هو الوحيد الذي له الحق في ذلك...
ميلان نظرت إليها بدهشة للحظات، لكنها لم ترد أن تضغط عليها أكثر. قبل أن تتمكن من قول أي شيء آخر، تنهدت إليف بضجر ورفعت يدها بإشارة تدل على أنها تريد إنهاء الحديث: أففف، ميلان، غادري. أريد أن أدرس قليلًا.
تجاهلتها ميلان وكانت تجلس على السرير، تتأمل أختها التي بدت وكأنها في عالم آخر، غارقة في أفكارها. نظرت إليها بتمعن، لاحظت كيف كانت عيناها ما تزالان محمرتين قليلًا، وكيف كانت تحاول جاهدة أن تخفي مشاعرها. لكنها لم تكن بحاجة إلى الاعتراف، ميلان كانت تعرفها جيدًا، وكانت تستطيع أن تقرأها ككتاب مفتوح.
تنهدت ميلان بهدوء، ثم ابتسمت بمكر قبل أن تتحدث بنبرة مرحة، محاولةً إخراجها من حالتها الحزينة: حسنًا، إليف، دعيني أسألك سؤالًا مهمًا جدًا... متى تنوين التحدث مع أندرو؟ هاه؟ لماذا تتهربين منه باستمرار؟ هل هناك سبب مقنع أم أنكِ فقط تستمتعين بتعذيبه؟
إليف، التي لم تكن تتوقع هذا السؤال المباشر، نظرت إليها بصدمة، رمشت عدة مرات قبل أن تعقد حاجبيها قائلة باستغراب واضح: ومن أين لكِ أن تعرفي أنني أتجاهله؟ من الذي أخبركِ بذلك؟!
ميلان، التي لم تكن مستعدة لمثل هذا التحقيق، شعرت بالتوتر فورًا، ابتلعت ريقها بسرعة وقالت محاولةً التهرب: أوه، لا يهم من أخبرني! ليس هذا هو المهم الآن، الأهم هو أن تخبريني لماذا تتجاهلينه! هيا، تكلمي، لا تحاولي التهرب من الموضوع!
إليف صمتت للحظات، كانت تفكر في رد مناسب، لكن الحقيقة كانت ثقيلة على لسانها. تنهدت ببطء، ثم قالت بصوت خافت، وكأنها تخشى الإجابة بنفسها:
أولًا... قبل أن أجيبكِ، أريد أن أسألكِ شيئًا...
ميلان، التي بدت وكأنها تنتظر شيئًا خطيرًا، رفعت حاجبيها قليلًا وأومأت برأسها وهي تقول: حسنًا، اسألي.
إليف نظرت إلى ميلان مباشرة، كانت عيناها تحملان خليطًا من التردد والحزن، ثم همست بصوت ضعيف:
هل أنا فتاة سيئة؟
ميلان، التي لم تكن تتوقع هذا السؤال أبدًا، تجمدت في مكانها للحظة. لم تستطع منع نفسها من الشعور بالأسى على أختها، لكنها لم ترد أن تجعل الجو كئيبًا أكثر مما هو عليه، فقررت أن تتصرف بطريقتها المعتادة. فجأة، وضعت يدها على ذقنها وكأنها تفكر بعمق، ثم هزت رأسها بجدية وقالت بصوت مصطنع وكأنها قاضٍ يصدر حكمه: هممم... دعيني أفكر في الأمر... هل أنتِ فتاة سيئة؟ في الحقيقة، نعم، أنتِ أسوأ فتاة على الإطلاق!
إليف، التي لم تكن تتوقع هذه الإجابة، نظرت إليها بصدمة، فتحت فمها وكأنها على وشك الصراخ، لكن قبل أن تنطق بأي كلمة، انفجرت ميلان ضاحكة ولوحت بيديها بسرعة قائلة: أنا أمزح، أنا أمزح! يا إلهي، لماذا تأخذين الأمور بجدية هكذا؟ إليف، أنتِ ألطف وأطيب فتاة في العالم كله! لطيفة جدًا، وحنونة جدًا، وأحيانًا ساذجة جدًا لدرجة أنني أشعر أنكِ طفلة صغيرة!
قبل أن ترد عليها إليف، مدت ميلان يدها بسرعة وشدت خدها بمشاغبة، وكأنها تداعب طفلة صغيرة، لكنها لم تكن تتوقع ردة فعل أختها...
إليف، التي كانت تحاول التماسك، شعرت بدموعها تتجمع في عينيها فجأة. قبل أن تتمكن ميلان
من ملاحظة ذلك، همست بصوت ضعيف ومهتز: ولكني...
ميلان، التي لاحظت التغيير المفاجئ في نبرة صوتها، توقفت عن العبث بها، نظرت إليها بقلق، تنتظرها لتكمل حديثها. وبعد ثوانٍ من الصمت، تنهدت إليف بحدة، شدّت الغطاء بيديها وكأنها تحاول السيطرة على مشاعرها، ثم قالت بانفعال مفاجئ: أشعر أنني غبية! لقد جرحت أندرو بكلامي معه! لماذا أفعل ذلك دائمًا؟ لماذا أتصرف بهذه الطريقة؟! إنه شخص رائع، يعاملني بلطف، يعتني بي، ومع ذلك... أنا فقط... لا أستحقه، ميلان! أعلم أنه سيأتي يوم ما ويمل مني، سيكتشف أنني مجرد فتاة مزاجية، عنيدة، متسرعة، سخيفة!
ميلان، التي لم تتوقع أن يصل الأمر لهذا الحد، نظرت إليها بدهشة للحظات، ثم قالت بسرعة محاولةً تهدئتها: ماذا؟ إليف، هل تسمعين نفسك؟ تتحدثين وكأنكِ وحش شرير! أنتِ لستِ سيئة، ولستِ غبية، ولستِ سخيفة! نعم، أنتِ مزاجية وعنيدة، لكن هذا جزء من شخصيتك، وليس شيئًا يجعلكِ غير مستحقة للحب!
لكن إليف لم تكن مقتنعة، أغمضت عينيها بقوة، وكأنها تحاول إبعاد دموعها، ثم همست بمرارة: أنا فقط لا أريد أن أخسره، ميلان... لكنه ربما يستحق شخصًا أفضل مني.
ميلان، التي شعرت أن أختها تحتاج إلى دفعة معنوية، ابتسمت بمكر فجأة وقالت بصوت مليء بالثقة: حسنًا، لن أكذب عليكِ، هناك أشخاص أفضل منكِ، وهناك فتيات ألطف منكِ، وهناك فتيات أكثر هدوءًا منكِ، وهناك فتيات أكثر نضجًا منكِ، وهناك فتيات أكثر...
إليف، التي بدأت تشعر بالغضب بسبب حديثها، قاطعتها بسرعة بحدة: ميلان!!! هل تحاولين مواساتي أم قتلي؟!
ميلان انفجرت ضاحكة، ثم لوحت بيديها بسرعة وقالت: لحظة، لحظة، لم أكمل بعد! نعم، هناك فتيات كثيرات أفضل منكِ في أشياء معينة، لكن هناك شيء واحد لا يمكن لأي فتاة في هذا العالم أن تتفوق عليكِ فيه.
إليف، التي كانت ما تزال غاضبة، نظرت إليها بريبة وقالت بحذر: وما هو؟
ميلان ابتسمت بلطف وقالت: لا أحد يستطيع أن يكون إليف غيركِ! لا أحد يستطيع أن يكون بنفس روحكِ، بنفس طاقتكِ، بنفس حنانكِ، بنفس مشاعركِ الصادقة! ولهذا، أندرو لا يحتاج فتاة أفضل منكِ، لأنه ببساطة يحبكِ أنتِ، إليف بكل مميزاتكِ وعيوبكِ!
إليف، التي لم تتوقع هذا الكلام، شعرت بأن قلبها يخفق بسرعة، نظرت إلى ميلان بعيون مترددة، ثم همست بخجل: أنتِ... تعتقدين ذلك حقًا؟
ميلان ضحكت، هزت رأسها بقوة وقالت: بالطبع! وإذا لم يكن هذا صحيحًا، فلماذا ما زال متمسكًا بكِ حتى الآن رغم كل جنونكِ؟
إليف ابتسمت ابتسامة خفيفة رغم نفسها، لكنها سرعان ما تظاهرت بالعبوس وقالت وهي تبعد وجهها: أففف، حسنًا، حسنًا، لا تتفلسفي كثيرًا!
ميلان ضحكت، ثم وقفت بسرعة وقالت وهي تخرج من الغرفة: على أي حال، فكري في الأمر، ولا تتأخري كثيرًا قبل أن تردي عليه،
كانت ميلان تهم بالخروج، لاحظت أن إليف لم تكن مستعدة للبقاء وحدها، لذا توقفت عند الباب، استدارت ببطء، ثم عادت وجلست بجانبها مرة أخرى وهي تقول بنبرة ساخرة: حسنًا، لقد غيرت رأيي، لن أترككِ وحدكِ وأنتِ على وشك الانفجار من كثرة التفكير! أخبريني، ما الذي يجول في رأسكِ؟ ما الذي تعانين منه بالضبط؟ أنا هنا للاستماع، ومستعدة لأن أكون طبيبتكِ النفسية الخاصة!
إليف، التي كانت ما تزال مترددة، نظرت إليها للحظات، ثم زفرت ببطء وكأنها تحاول جمع شجاعتها، ثم همست: لا أعلم من أين أبدأ... أشعر أن هناك الكثير من الأشياء المتشابكة داخلي، ولا أستطيع فهمها حتى بنفسي.
ميلان أومأت برأسها وكأنها طبيبة حقيقية، عقدت ذراعيها وقالت بجدية مصطنعة: حسنًا، لا مشكلة، لنبدأ من الأساس، متى بدأتِ تشعرين بهذه المشاعر؟ هل كان ذلك منذ فترة طويلة أم منذ وقت قريب؟
إليف أغمضت عينيها للحظة، ثم قالت بصوت خافت:
أعتقد أن الأمر بدأ عندما أدركت أنني شخص معقد... أنني لست مثل الآخرين... أنا عنيدة، مزاجية، متسرعة، أحيانًا أقول أشياء دون أن أفكر، وأحيانًا أكون باردة جدًا لدرجة أنني أجرح من حولي دون قصد.
ميلان نظرت إليها بتمعن، ثم سألت بلطف: هل تعتقدين أن هذه الأشياء تجعلكِ شخصًا سيئًا؟
إليف ابتسمت بسخرية حزينة وقالت: أليس كذلك؟ أخبريني أنتِ، هل يوجد شخص يرغب في التعامل مع فتاة معقدة مثلي؟ أندرو دائمًا صبور معي، يتحملني رغم كل شيء، لكني خائفة... خائفة من أن يأتي يوم وينفد صبره، أن ينظر إليّ ويقول: 'لقد تعبت منكِ، إليف، لا أستطيع الاستمرار.'
ميلان نظرت إليها بدهشة، ثم رفعت حاجبها وقالت بمبالغة: واو! يا فتاة، ما هذه الدراما؟! هل تعيشين في مسلسل تركي مأساوي أم ماذا؟ أين الموسيقى الحزينة؟ أين المطر الذي ينهمر خلف النافذة بينما تنظرين إليه بحزن؟!
إليف، التي لم تستطع منع نفسها من الابتسام، ضربت ميلان على كتفها بخفة وقالت بضيق: ميلان! أنا جادة هنا!
ميلان ضحكت، لكنها سرعان ما عادت إلى الجدية وقالت بهدوء: إليف، أنتِ تفكرين كثيرًا في الأمور التي قد لا تحدث أبدًا. هل سبق أن قال لكِ أندرو أي شيء يجعلكِ تشعرين بأنه سئم منكِ؟ هل أظهر أي علامة على أنه يريد الرحيل؟
إليف هزت رأسها سريعًا وقالت: لا، بالعكس، هو دائمًا يخبرني أنني مهمة بالنسبة له، وأنه يحبني كما أنا... لكني أشعر أنه يقول ذلك فقط ليجعلني أشعر بتحسن، وليس لأنه يعنيه فعلًا.
ميلان شهقت بطريقة درامية وقالت: إليف! هل تعلمين ماذا يعني هذا؟!
إليف نظرت إليها بقلق وسألت بسرعة: ماذا؟!
ميلان اقتربت منها ببطء، ثم همست وكأنها تخبرها بسر خطير: يعني أنكِ غبية رسميًا!
إليف تجمدت لثانية قبل أن تلتقط وسادة بسرعة وترميها على وجه ميلان، التي انفجرت ضاحكة وهي تتفاداها، ثم رفعت يديها قائلة بمزاح: حسنًا، حسنًا! لا تضربي طبيبتكِ النفسية! لكن جديًا، إليف، أنتِ تخلقين سيناريوهات في رأسكِ وتصدقينها! الرجل يحبكِ، يهتم بكِ، يتحملكِ رغم مزاجيتكِ، ورغم كل شيء لم يتغير تجاهكِ، فماذا تريدين أكثر؟
إليف عضّت شفتها بتردد، ثم همست: أريد أن أكون شخصًا يستحقه...
ميلان تنهدت، ثم وضعت يدها على كتفها وقالت بلطف: أنتِ تستحقينه فعلًا، وإلا لما بقي معكِ حتى الآن. أحيانًا، مشاعرنا السلبية تجعلنا نشك في قيمتنا، لكن ذلك لا يعني أن الآخرين يروننا بنفس الطريقة. ربما أنتِ لستِ مثالية، لكن لا أحد مثالي، وحتى أندرو لديه عيوبه، لكنه يحبكِ رغم عيوبكِ، تمامًا كما تحبينه رغم عيوبه.
إليف صمتت، وكأنها تحاول استيعاب كلامها. ثم بعد لحظات، ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت: هل تعرفين؟ ربما أنتِ لستِ طبيبة نفسية سيئة بعد كل شيء.
ميلان ضحكت بفخر وقالت: بالطبع! والآن، هيا، امسحي دموعكِ، لأنني لن أسمح لأختي بأن تكتئب أكثر من هذا!
إليف ضحكت أخيرًا، ثم تنهدت براحة وهي تشعر أن قلبها أخف، وكأن عبئًا ثقيلًا قد أُزيح عنها. ربما، فقط ربما، كان عليها أن تتوقف عن الشك في نفسها وتبدأ في تصديق أن أندرو يحبها حقًا... تمامًا كما هي.
ميلان صمتت لثوانٍ، ثم فجأة، وضعت يدها على رأس إليف وبدأت تحرك شعرها بفوضوية وهي تقول بخبث: يا إلهي! إليف، هل تعلمين أنكِ أحيانًا تتحدثين وكأنكِ عجوز في السبعين من عمرها تعاني من أزمة منتصف العمر؟! ما هذا الكلام؟! هل تعلمين أن هذا بالضبط ما يقوله الأشخاص قبل أن ينفصلوا عن شركائهم ثم يندمون بقية حياتهم؟!
إليف دفعت يدها بعيدًا وهي تهمس بخجل: أنا لا أقول أنني أريد الانفصال عنه! فقط... أنا أفكر كثيرًا.
ميلان ابتسمت بمكر، ثم اقتربت منها وهمست بصوت منخفض، وكأنها تخبرها بسر خطير:أتعلمين، إليف، هناك حل بسيط جدًا لهذا كله...
إليف نظرت إليها بفضول: ما هو؟
ميلان ضحكت قليلًا، ثم قالت بصوت مرح: أن تتزوجيه، تحملي طفله، وتجعلي أندرو عالقًا معكِ
إلى الأبد! هكذا لن يستطيع أن يترككِ حتى لو أراد ذلك!
إليف شهقت بصدمة، احمرّ وجهها بالكامل، وضربت ميلان على ذراعها بسرعة وهي تصرخ بخجل: ميلان!! ما الذي تتحدثين عنه؟! كيف يمكنكِ قول شيء كهذا بهذه السهولة؟!
ميلان انفجرت ضاحكة وهي تقول بمزاح: ماذا؟ هل قلتُ شيئًا خاطئًا؟! أنا فقط أفكر في مستقبلي! متى سأصبح خالة، هاه؟ متى سأنظر إلى طفل صغير وأقول له: تعال إلى خالتكِ ميلان، سأعلمكِ كيف تزعج أمكِ!
إليف دفنت وجهها بين يديها وهي تهمس بانزعاج: أنتِ فظيعة! لا أصدق أنكِ تقولين هذا الآن!
ميلان اقتربت أكثر وقالت بمكر أكبر: هاه، لكن فكّري بالأمر... أنتما تحبّان بعضكما، صحيح؟ لذا، لماذا لا تجعلان الأمر رسميًا، ثم بعدها... يأتينا طفل صغير لطيف يشبهكما؟! ألن يكون ذلك رائعًا؟ هاه؟ متى ستحدث هذه المعجزة؟
إليف صرخت بخجل وهي تغطي أذنيها: توقفي! لا أريد أن أسمع المزيد!
ميلان ضحكت وهي تصفق بيديها بسعادة: يا إلهي، وجهكِ أصبح أحمر جدًا! أنتِ تفكرين بالأمر، صحيح؟! أخبريني، متى آخر مرة تخيلتِ نفسكِ مع أندرو ومعكما طفل صغير؟
إليف لم تستطع التحدث، كانت مشاعرها في حالة من الفوضى، ووجهها أصبح مثل الطماطم من شدة الإحراج. ميلان كانت تستمتع تمامًا بإحراجها، لكنها في أعماقها، كانت تعرف أن أختها تحتاج فقط إلى دفعة صغيرة لتدرك أنها بالفعل تمتلك كل ما تحتاجه لتكون سعيدة.
ميلان، بعد أن رأت أن إليف لم تعد قادرة على الرد، ضحكت وقالت بمكر: حسنًا، سأدعكِ تفكرين بالأمر... لكن تذكّري، إليف، إذا كنتِ تحبّينه حقًا، فلا تضيّعي المزيد من الوقت. تحدثي معه، أخبريه بكل شيء،
لا تجعلي مخاوفكِ تقف بينكما. أندرو ليس غبيًا،
إنه يعرف قيمتكِ، لكنه يحتاج إلى أن يسمع منكِ أيضًا.
إليف، رغم كل الإحراج الذي شعرت به، عرفت أن ميلان محقة. ربما... ربما حان الوقت للتحدث معه.
•••♡♕•••
ميلان، التي كانت تستمتع بالموقف، رفعت كتفيها وقالت بمزاح: أوه، لا تكوني درامية هكذا! لقد قلتِ بنفسكِ أنكِ تحبينه، أليس كذلك؟ إذًا لا مشكلة في أن يسمعكِ!
إليف، التي لم تعد تحتمل هذا الجنون، أمسكت رأسها بيديها وكأنها تحاول استيعاب الكارثة، ثم فجأة، كما لو أنها تلقت صدمة كهربائية، التفتت بسرعة نحو ميلان، نظرت إليها بنظرة مليئة بالغضب، ثم اندفعت نحوها محاولة انتزاع الهاتف منها.
لكن ميلان، التي كانت أسرع منها، ضحكت بصوت عالٍ وركضت نحو باب الغرفة قبل أن تتمكن إليف من الإمساك بها.
وفي لحظة درامية، وقبل أن تتمكن إليف من خطف الهاتف، مدت ميلان يدها للأمام، وضعت الهاتف في يدها بسرعة، ثم فتحت الباب وركضت خارج الغرفة وهي تصرخ ضاحكة: حظًا موفقًا، عزيزتي! لا تخذلي أندرو، إنه يسمعكِ!
إليف، التي كانت تقف في وسط الغرفة وهي تحمل الهاتف بيدها المرتجفة، شعرت أن حياتها قد انتهت رسميًا. نظرت إلى الهاتف بخوف، وكأنها تفكر في إمكانية رميه من النافذة والهرب من البلاد. لكن قبل أن تفكر في أي شيء آخر، سمعت صوتًا مألوفًا يأتي من الهاتف... صوت أندرو، الذي تحدث بنبرة دافئة ومرحة قائلاً: إليف... هل أنتِ بخير؟
إليف، التي كانت على وشك فقدان عقلها، شهقت بقوة، ثم وضعت يدها على فمها، وأغمضت عينيها بقوة، وهي تفكر في شيء واحد فقط: يا إلهي، اقتليني الآن!
كانت تشعر بأن قلبها سيخرج من صدرها من شدة التوتر. هل هذا كابوس؟ هل سيفتح أحدهم الباب الآن ليخبرها أنها كانت تحلم بكل هذا؟ لكنها لم تكن تحلم. هذا حقيقي. وهذه ليست مزحة. أندرو كان يسمعها، والآن هو يتحدث إليها مباشرة!
أمسكت الهاتف بيدين مرتجفتين، ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم همست بصوت ضعيف:
أ-أندرو...؟
ضحكة خفيفة جاءت من الجهة الأخرى، ناعمة، دافئة، وكأنها تحتضنها رغم المسافة بينهما. ثم قال بصوت مرح لكن مليء بالاهتمام: نعم، إليف. أنا هنا. هل أنتِ بخير؟
إليف، التي كانت على وشك الانفجار، ضغطت على الهاتف بقوة وكأنها تريد أن تخنقه بدلاً من التحدث إليه. كانت تريد أن تصرخ، أن تهرب، أن تتبخر من على وجه الأرض! لكنها بدلاً من ذلك، تمكنت فقط من قول: م-ماذا... س-سمعت بالضبط؟
أندرو ضحك بصوت منخفض، ثم قال بهدوء:
كل شيء.
تجمدت إليف في مكانها. عيناها اتسعتا بصدمة، وشعرت أن عقلها توقف عن العمل للحظة. كل شيء؟! مستحيل! لا، لا، لا، هذا أسوأ كابوس في حياتها! كانت تتمنى أن تكون الأرض تحتها حفرة سوداء وتبتلعها فورًا.
لم تستطع قول شيء. فقط وقفت هناك، فمها يتحرك بدون صوت، كأنها سمكة خرجت من الماء وتكافح لالتقاط أنفاسها.
أندرو، الذي كان مستمتعًا بتوترها، قرر ألا يزيد الأمر سوءًا بالنسبة لها، فتحدث بنبرة أكثر لطفًا: إليف، لا داعي لأن تكوني متوترة هكذا. في الحقيقة، أنا سعيد جدًا لسماع ما قلتهِ.
إليف، التي كانت على وشك السقوط مغشيًا عليها، شهقت بصوت مسموع وقالت بسرعة: أنتَ سعيد؟! كيف يمكنك أن تكون سعيدًا بعد أن سمعت كل هذه الفضائح عني؟!
أندرو ضحك مجددًا، ثم قال بصوت مليء بالمشاعر:
لأنني أخيرًا سمعت الحقيقة التي كنتُ أتمناها.
إليف صمتت. قلبها كان ينبض بسرعة جنونية، وكأنها تركض في سباق ماراثون. حاولت أن تستوعب كلماته، لكنها كانت تشعر أنها على وشك الانهيار تمامًا.
أندرو تابع بصوت دافئ: إليف، أنا لم أكذب أبدًا عندما قلتُ إنني أحبكِ كما أنتِ. لكن الآن، وبعد أن سمعتِ بنفسكِ كم كنتِ خائفة من خسارتي، أدركتُ كم أنا محظوظ لأنني أملك قلبكِ.
إليف شعرت أن الحرارة وصلت إلى أذنيها، وجهها كان محترقًا بالكامل. لم تستطع التحدث. لم تستطع حتى التفكير. فقط غطت وجهها بيدها وأخذت نفسًا عميقًا، ثم همست بصوت شبه مسموع: ميلان ستُقتَل اليوم، أقسم بذلك.
أندرو ضحك بحرارة وقال بمزاح: حسنًا، قبل أن تقتليها، هل يمكنني سماع صوتكِ قليلاً دون أن تحاولي الاختباء؟
إليف عضت شفتيها، تنفست بعمق، ثم قالت بصوت خافت لكن صادق: أنا فقط... لا أريد أن أخسرك، أندرو.
على الجهة الأخرى من الهاتف، توقف أندرو للحظة، وكأن كلمتها لمسته بعمق. ثم قال بصوت دافئ للغاية:
ولن تخسريني أبدًا، إليف. هذا وعد.
إليف أغلقت عينيها، تنفست بعمق، وابتسمت أخيرًا رغم كل الإحراج الذي مرّت به. ربما ميلان تسببت في كارثة، لكنها في النهاية، جعلت الأمور أكثر وضوحًا بينهما... ولكن رغم ذلك فلم تستطيع التحدث معه اكثر اقفلت بعد مده بسبب توترها.
••••••••••••♕♡♕
مرت ساعتين من اللعب والضحك، وكان الجو مشحونًا بالمرح والضحك، خصوصًا بعد أن بدأت ميلان وأركون ورزان في لعبة جديدة مليئة بالتحديات، حيث كانت ميلان تضع قطعة قماش على عينيها وتحاول الإمساك بأي شخص في المكان، فيما كان أركون ورزان يراوغانها بكل براعة. أدريان، الجالس في الزاوية، كان يراقبهم بهدوء، يبتسم بين الحين والآخر، لكنه كان يلاحظ كل تحركاتهم عن كثب، وكأن هناك شيئًا آخر يشغل ذهنه.
نزلت إليف من الأعلى، وابتسمت برؤية المشهد، تراقبهم مع إحساس بالمرح يملأ قلبها. لم تكن تنوي الانضمام إليهم، لكنها شعرت بأن الجو مليء بالمرح وتمنت لو تشاركهم.
في لحظة، بينما كانت إليف تقترب، دفع أركون ميلان عن غير قصد، مما جعلها تتعثر وتكاد تقع على الطاولة. كانت المسافة قصيرة جدًا بين ميلان والطاولة، وكان من الممكن أن تصطدم بها، لكن في اللحظة الأخيرة، أسرع أدريان إليها، أمسك بها بيديه، وسحبها إلى صدره بسرعة. كان إحساس ميلان به قويًا، شعر بدفء يديه القويتين حولها، واهتز قلبها. كانت العيون الحادة لأدريان قد التقت بعينيها الخائفتين والخجولتين، وتوقفت لحظة زمنية طويلة بينهما.
هل أنتِ بخير؟ همس أدريان في أذنها، حيث شعرت بحرارته تلامس رقبتها. كانت الكلمات تخرج بصوت هادئ، لكنها كانت كالسهم الذي اخترق قلبها. تعالي للغرفة بسرعة.
تجمدت ميلان للحظة، شعرت بدمائها تتسارع في عروقها. كانت متوترة،أزالت القماش عن عينيها. قالت بصوت خافت، مترددة في الكلام: أ-أدريان، هل... هل تحتاج شيء؟
أدريان، الذي شعر بتوترها، ابتسم قليلًا وقال بهدوء: لا وقت للأسئلة الآن، تعالي معي. كانت كلماته حاسمة، لكن هناك شيء في صوته جعل قلب ميلان يقفز في صدرها. كانت تحاول الهروب من كل تلك الأفكار المتضاربة، ولكنها فقط تبعته دون أن تقاوم.
وفي تلك اللحظة، نظرت ميلان إلى أركون بعينيها حادتين، ثم ركضت خلف أدريان، متبعة إياه إلى غرفته، وقد شعرت بخفقان قلبها يزداد مع كل خطوة تقترب فيها منه.
•••••••••♡♕
عندما أغلق أدريان الباب خلفهم، كان الجو في الغرفة مختلفًا تمامًا. كان هناك شيء غير عادي في الأجواء، وكان قلب ميلان ينبض بشدة، وكأن كل خطوة يخطيها أدريان نحوها كانت تقترب بها أكثر إلى شيء غير قابل للوصف. قبل أن تتمكن من نطق أي كلمة، استدار أدريان بسرعة وجذبها نحوه، وكأنها كانت في انتظار تلك اللحظة، فدمج شفتيه بشفتيها بقوة، مثلما يندفع رجل في بحر هائج. كان قلبه يدق بشدة، وأيديه تحيط بها، تشدها إليه كما لو أنه لا يريد أن يتركها أبدًا.
ميلان، التي كانت في البداية تشعر بالتوتر والارتباك، شعرت فجأة بأن جسدها كله يذوب بين يديه. كانت يداه على خصرها، حانيتان، ثم بدأ يقربها إليه أكثر، حتى شعرت بنفسه قريبًا جدًا منها، وكأنها لا تستطيع التنفس دون أن تشعر به بجانبها. كان شفتيه تداعبان شفتيها بحنان، كل قبلة كانت مليئة بالحاجة، والاشتياق، والعاطفة التي لا يمكن لها أن تُترجم بالكلمات.
بسرعة، اندمجت جسديهما في بعضهما البعض، وكانت لمسات أدريان أكثر قوة واحتياجًا. يداه كانت تلمس رقبتها برقة، ثم تنزل إلى ظهرها، وكأنه يريد أن يثبت وجودها في كل جزء من كيانه. ميلان، التي لم تتمكن من التفكير في شيء سوى أنه بين ذراعيها، ردت عليه بنفس العاطفة، كانت يدها على صدره، تداعب قلبه، وكأنها تتلمس نبضاته القوية.
بعد مدة طويلة، ابتعد عنها فجأة، ولكن لم يفلتها من بين ذراعيه. بقيت يداه تحيطان بها، كأنها هي الحبل الذي يربطه بالعالم، وتوجهت عيناه إلى عينيها مباشرة. نظر إليها للحظة طويلة وكأن كلماته أصبحت غير كافية لتوصيل شعوره.
ثم همس لها بصوت خافت، مليء بالحب، وكأن قلبه ينبض أكثر مع كل كلمة يقولها: اشتقت لكِ جدًا، ميلان.
لم تستطع ميلان أن تسيطر على نفسها، فأجابته ضاحكة، ولكن بصوت خجول، وكأن الكلمات كانت تعجز عن التعبير عن مشاعرها: نحن دائمًا معًا، كيف اشتقت لي؟
أدريان ابتسم بحنان، كان وجهه قريبًا جدًا من وجهها، عيناه مليئة بالشغف: أعلم، ولكننا لم نعد بمفردنا مثلما كنا سابقًا. لا أستطيع العيش بدونكِ، ميلان. اشتقت لكِ أكثر من أي وقت مضى، كل لحظة معكِ هي لحظة لا تعوض.
ميلان، التي كانت تشعر بأن عاطفتها تتفجر بداخلها، ابتسمت رغم الخجل الذي كاد يقتلها، لكنها كانت تعرف أن هذه اللحظات لا تعوض. ردت عليه بحب، ولكنها كانت تحاول أن تخفي مشاعرها: أنت مجنون حقا أدريان.
أدريان ضحك، ثم اقترب منها أكثر، وكأن الهواء بينهما أصبح مشحونًا بشحنة من الحب الغامر. غرس رأسه في عنقها، وقبلها بلطف، همس في أذنها بحب وعشق: انا نجنون بكِ، ولا أخجل من ذلك. كل لحظة بعيدة عنكِ هي كالعمر بأسره. كل نبضة من قلبي هي لكِ، وكل لحظة تمر بدونكِ هي عذاب.
ميلان كانت تكاد أن تذوب في بين يديه، كانت تتنفس بصعوبة، ولكنها وجدت نفسها تضحك ضحكة طفولية، وكأنها تخبئ مشاعرها خلف هذه الضحكة
•••••••••••♡♕
كانت إليف تحاول ربط القماش حول عينيها بإحكام، لكنها لم تستطع التوقف عن الابتسام بحماس. كان قلبها ينبض بالإثارة، وأذناها تترقبان أدنى حركة من رزان وأركون، اللذين كانا يحيطان بها وكأنهما أشباح سريعة الحركة.
سمعت صوت أركون يناديها من جهة اليمين، فالتفتت بسرعة، لكنها لم تستطع رؤيته بسبب القماش المربوط بإحكام حول عينيها. مدت يديها للأمام، تتحسس الهواء محاولة الإمساك به. ضحك أركون بصوت عالٍ، ثم قفز مبتعدًا عنها في اللحظة الأخيرة، مما جعلها تندفع نحوه لكنها أمسكت فقط بطرف قميصه. شعرت بالانتصار للحظة، لكن أركون بحركة سريعة أفلت من قبضتها، وركض مبتعدًا قبل أن تتمكن من الإمساك به بالكامل.
رفعت إليف القماش بسرعة عن عينيها، وعينيها تلمعان بالغضب الطفولي، وقالت بصوت مليء بالاعتراض: هذا ليس عدلًا! لقد أمسكت بك، أركون!
لكن أركون تجاهل احتجاجها، وابتسم بمكر وهو يقترب منها، ممسكًا بالقماش ليعيد ربطه حول عينيها، بينما قال بنبرة هادئة ولكن ماكرة: هذه هي اللعبة، إليف، عليكِ أن تواصلي المحاولة!
نظرت إليه إليف بغضب مصطنع، ثم عبست وضربت قدمها الصغيرة على الأرض بتذمر، لكنها في النهاية استسلمت وسمحت له بإعادة ربط القماش حول عينيها.
حسنًا، حسنًا، لكن هذه المرة، إن أمسكت بأيٍّ منكم، عليكم الاستسلام فورًا، اتفقنا؟ قالت بحماس وهي تتجهز لمواصلة البحث.
ضحكت رزان وهي تركض مبتعدة وقالت بصوت مرح: اتفقنا! لكن هل يمكنكِ فعلها؟
تحركت إليف ببطء، تستمع إلى أصوات الضحكات الخافتة التي كانت تملأ المكان. كانت تعلم أنهم يحاولون التسلل بهدوء، لكنها لم تكن تنوي جعل الأمور سهلة عليهم. مدت يديها بحذر، تتحرك خطوة بخطوة، ثم فجأة، سمعت صوت قدمين تتحركان بسرعة بالقرب منها.
أها! أمسكت بك! صرخت إليف بحماس وهي تندفع في الاتجاه الذي سمعت فيه الصوت، لكنها اصطدمت بشيء صلب... أو بالأحرى بأحدهم.
كان أركون! لكنه، كالعادة، تحرك بسرعة قبل أن تستطيع الإمساك به بالكامل، مما جعلها تتأوه بمرح:
توقف عن الهرب! هذا ليس منصفًا!
أجابها أركون ضاحكًا وهو يبتعد عنها: إنها مجرد لعبة، عليكِ أن تكوني أسرع!
غضبت إليف أكثر، وبدأت في ملاحقته بشكل عشوائي، وهي تحاول الاستماع جيدًا إلى خطواتهم حتى تستطيع الإمساك بأحدهم. وبينما كانت تقترب من هدفها التالي، سمعت رزان تهمس لأركون: إنها قريبة جدًا! اهرب، اهرب!
لكن قبل أن يتمكن أي منهما من الابتعاد، اندفعت إليف بسرعة، ويديها ممدودتان للأمام، وتمكنت أخيرًا من الإمساك بشيء ما.
هاه! أمسكت بكِ! صرخت بسعادة وهي تشد قبضتها، قبل أن تدرك أن الشخص الذي أمسكته ليس سوى... رزان!
تجمدت رزان للحظة، ثم صرخت بمبالغة: آآآه! لقد أمسكتِ بي! لااااا! لا أريد أن أخسر!
ضحك أركون على تمثيلها المبالغ فيه، بينما كانت إليف تقفز بسعادة وتصرخ بانتصار: هاه! قلت لكم! قلت إنني سأمسك بأحدكم، والآن عليكِ أن تستسلمي!
تنهدت رزان بتظاهر باليأس، ووضعت يدها على جبينها كما لو أنها على وشك الإغماء، ثم قالت بنبرة درامية: لقد هُزمت... يا إلهي، يا للحزن!
ضحكت إليف على تمثيلها، بينما وقف أركون يراقب المشهد وهو يهز رأسه بمرح.
حسنًا، والآن دورك هيا. سألت إليف وهي تستعد لجولة جديدة من المرح.
أركون ابتسم بمكر، وأخذ القماش من يديها، ثم قال وهو يلوّح به أمام وجهها: أعتقد أن الدور عليّ الآن... لكن احذري، إليف، سأكون أسرع منكِ!
وهكذا، استمرت الضحكات والمطاردات في الأرجاء، بينما كانت الصداقة والمرح يملآن المكان بأجواء سعيدة لا تُنسى.
••••••••••♡♕
كان الجميع يركضون في أرجاء القصر، يضحكون ويمرحون بلا توقف. أصوات الضحكات كانت تملأ المكان، والمطاردات الصغيرة بين إليف وأركون ورزان كانت تزيد الأجواء بهجة. لكن فجأة، قُطع هذا المرح عند سماع صوت سيارة تتوقف أمام القصر. تباطأت حركاتهم تدريجيًا، ثم توقفوا تمامًا عندما رأوا شخصًا مألوفًا يدخل من الباب.
توماس.
كان يسير بخطوات ثابتة، هادئة لكنها تحمل نوعًا من الغضب الخفي. خلفه، دخلت كيراز وهي تحمل بين يديها الصغير "أولجان"، الذي كان نائمًا بسلام رغم كل الضوضاء التي كانت تعم المكان قبل لحظات. إلى جانبها، كان أركون يقف وهو يمسك القماش الذي كان يربطه حول عينيه في اللعبة، لكنه أسقطه عندما رأى نظرة توماس المثبتة عليه بحدة.
شعرت إليف بأن الأجواء تغيرت فجأة، لكنها لم تتردد لحظة في التوجه مباشرة إلى أخيها توماس، الذي كان يبدو أكثر جدية من المعتاد. ركضت نحوه وأحاطته بذراعيها في عناق دافئ.
أخي! اشتقت لك! قالت بمرح وهي تضمه بقوة، غير مكترثة ببروده الواضح.
ابتسم توماس بخفة وهو يربت على ظهرها سريعًا، لكنه لم يرد بشكل واضح، مما جعلها تبتعد وتنظر
إليه بحيرة. ثم توجهت إلى كيراز، وعانقتها برقة
قبل أن تقترب من أولجان وتضع قبلة على جبينه الصغير.
لقد كبر كثيرًا! انظري إلى خديه، إنه ممتلئ جدًا، تمامًا مثلي عندما كنت صغيرة! قالت وهي تضحك بخفة، مما جعل كيراز تبتسم بدورها.
أما رزان، فقد لحقت بها واحتضنت توماس وكيراز بدورها، ثم وقفت بجانب إليف وهي تراقب المشهد بحذر.
لكن وسط كل هذا الترحيب، ظل توماس ثابتًا في مكانه، نظرته لم تفارق أركون. بدا وكأنه يقيمه بعينيه، وملامحه لا تبشر بشيء جيد. وبعد لحظات من الصمت المشحون، تحدث أخيرًا بنبرة هادئة لكنها تحمل في داخلها صرامة واضحة:
إليف، كيراز، رزان... خذوا أولجان واذهبوا إلى غرفتكم، أريد التحدث قليلاً مع أركون.
ساد الصمت بين الجميع للحظة، ثم تبادلوا النظرات بسرعة. نظرت إليف إلى توماس، ثم إلى أركون، ثم إلى كيراز، التي كانت بدورها تنظر إلى زوجها بعدم فهم واضح.
أوه... يبدو أن الجو أصبح غريبًا هنا فجأة... تمتمت رزان بصوت منخفض وهي تنظر إلى إليف بتوجس.
أما إليف، فعبست قليلاً وقالت بتردد: لكن أخي، لماذا؟ هل حدث شيء؟
توماس لم يبعد نظرته عن أركون، لكنه أجابها بنبرة أكثر صرامة: إليف، لا تناقشي الأمر. اصعدي مع كيراز ورزان.
شعرت إليف بعدم الارتياح، لكنها لم ترغب في التسبب بالمزيد من المشاكل. استدارت نحو كيراز، التي بدت متفاجئة مثلها تمامًا، وقالت بصوت هادئ: حسنًا، لنذهب.
اقتربت إليف من كيراز ومدت يديها لتأخذ أولجان منها، الذي استمر في النوم بسلام كما لو أنه لم يكن هناك أي توتر في الجو. حملته بين ذراعيها بحنان، وابتسمت بخفة وهي تنظر إليه، متمنية لو أن كل شيء بسيط وسهل مثله.
بينما بدأوا بالصعود إلى الطابق العلوي، همست إليف بهدوء وهي تسير بجانب كيراز:
يبدو أن أخي غاضب... ماذا حدث؟
هزت كيراز رأسها باستغراب وقالت بصوت منخفض:
حتى أنا لا أعلم. كان كل شيء طبيعيًا، لكن فجأة تلقى مكالمة هاتفية، وبدون أي تفسير، غضب فجأة وأغلق الهاتف بوجه المتصل، ثم طلب مني تجهيز نفسي وأولجان والقدوم إلى القصر فورًا.
إليف ورزان تبادلتا النظرات بدهشة، ثم واصلت كيراز وهي تعقد حاجبيها: هذا غريب... نادرًا ما يفقد توماس أعصابه بهذه الطريقة.
إليف أومأت برأسها ببطء، ثم نظرت للأسفل إلى أولجان، الذي كان يتنفس بهدوء وراحة على صدرها، وقالت بصوت خافت: أتمنى ألا يكون الأمر خطيرًا...
لكن رغم كلماتها، كانت هناك غصة صغيرة في صدرها، إحساس غريب بأن شيئًا ما على وشك الحدوث.
وفي الأسفل، بقي أركون واقفًا أمام توماس، الذي لم يزح نظره عنه لحظة واحدة...
عمّ الصمت لوهلة في القاعة الواسعة. لم يكن هناك سوى أركون، الذي وقف في مكانه بثبات، يراقب توماس بعينين حذرتين، محاولًا أن يستشف سبب هذا الغضب الواضح في ملامحه. توماس، على الجانب الآخر، لم يتحرك من مكانه، لكن الهالة
القوية التي أحاطت به كانت تكفي لتبث التوتر في الأجواء.
أخذ توماس نفسًا عميقًا، محاولًا ضبط أعصابه، لكنه فشل في ذلك عندما التقى نظره الحاد بعيني أركون غير المبالية، فانفجر صوته أخيرًا، جليًا وغاضبًا: أركون، هل فقدتَ عقلك تمامًا؟! كيف سمحتَ له بالذهاب؟! كيف لم توقفه؟!
رفع أركون حاجبيه ببرود، ثم عبر ذراعيه أمام صدره وهو يميل برأسه قليلًا قائلاً بسخرية طفيفة: هل يمكنك أن توضح لي من تقصد بـ 'له'؟ لأن هناك الكثير ممن أسمح لهم بالذهاب، وأحتاج إلى توضيح حتى أفهم سبب هذه المحاضرة الغاضبة.
كان هذا الرد كافيًا لإشعال فتيل غضب توماس أكثر، فتقدم خطوة حادة نحو أركون وحدّق فيه بعينين كالجمر، قبل أن يصرخ بصوت حمل نبرة تهديد واضحة: لا تتلاعب معي، أركون! أنت تعرف جيدًا أنني أتحدث عن أندرو!
تجمدت تعابير أركون للحظة، لكنه سرعان ما تنهد ببطء وأدار عينيه في استياء واضح، وكأنه لم يكن يريد الخوض في هذا النقاش الآن. لكنه أجاب أخيرًا، بصوت أقل انفعالًا، لكنه لا يخلو من نبرة الدفاع عن نفسه: توماس، لا تتصرف وكأنني لم أحاول! لقد حاولتُ منعه بكل الطرق الممكنة، لكنك تعرف أندرو جيدًا، أليس كذلك؟! عندما يضع شيئًا في رأسه، لا يوجد من يستطيع إيقافه!
لوّح توماس بيده بغضب، وكأنه غير مقتنع بكلامه، وقال بصوت مرتفع: وهذا هو السبب الذي يجعلك تتحرك فورًا لإيقافه بأي وسيلة كانت! لكنك لم تفعل شيئًا، ولم تخبر أحدًا بذلك! كيف يمكنك أن تصمت على شيء خطير كهذا؟!
بدأت ملامح أركون تفقد برودها المعتاد، وتحولت إلى إشارات غضب مكبوت، وعندما تحدث هذه المرة، كان صوته أعلى وأكثر حدة: هل تعتقد أنني كنت سأسمح له بالذهاب إن كان بإمكاني منعه؟! ماذا كنت تتوقع مني أن أفعل، أربطه بالحبال وأحبسه في غرفة؟! حاولت إقناعه، حاولت تهديده ماذا تريد مني أن أفعل أكثر من ذلك؟!
أخذ توماس خطوة أخرى للأمام، والآن أصبح قريبًا جدًا من أركون، بحيث كاد أن يلتصق به، ثم قال بصوت منخفض لكنه مليء بالغضب المكبوت: ما كنت ستفعله... هو أنك كنت ستخبرني، أو تخبر أي أحد منا! لو كنا نعلم، لكنا تحركنا قبله وأوقفناه! لكن بسبب صمتك العنيد، نحن الآن في ورطة كبيرة!
تجهمت ملامح أركون، ثم قال بنبرة تحدٍ واضحة: ورطة؟ لا تبالغ، توماس! إنه في المقر، هناك عشرات الحراس، ولن يحصل له شيء.
عندها فقط، ابتسم توماس، لكن ابتسامته لم تكن سوى قناع يخفي خلفه العاصفة التي كان على وشك أن يطلقها. نظر مباشرة في عيني أركون، ثم قال ببطء، بصوت حمل تحذيرًا أشبه بصفعة على الوجه: هل أنت متأكد من ذلك؟ هل أنت واثق جدًا من أنه لن يحصل له شيء؟
شعر أركون بعدم الارتياح بسبب نبرة أخيه، لكنه أبى أن يُظهر أي تردد وقال بثقة: نعم، متأكد. المقر محصّن، ولا أحد يمكنه الاقتراب منه بسهولة.
عندها، ابتسم توماس ابتسامة باردة قبل أن يقول الجملة التي أسقطت الصاعقة على رأس أركون: إذن، كيف تفسر لي أن أندرو قد أُصيب، وأن ديمير قد هرب؟"
توقف عقل أركون عن العمل للحظة، وعيناه اتسعتا ببطء، وكأنه لم يصدق ما سمعه لتوّه. لم يكن يتوقع هذه الكلمات، ولم يكن مستعدًا لها. قلبه تسارع في صدره، وشعر بغضب عنيف يجتاحه، لكنه لم يكن متأكدًا مما إذا كان غاضبًا من توماس، من أندرو، أم من نفسه.
ماذا...؟ نطق بالكلمة بصوت خافت، غير مصدق لما يسمعه.
سمعتَ جيدًا، قال توماس بصوت بارد، وعيناه تراقبان تعبيرات الصدمة على وجه أركون. "أندرو أصيب، وديمير لم يعد في قبضتنا. وهو الآن طليق، ولا أحد يعلم إلى أين ذهب."
كانت الكلمات أشبه بسكين مغروسة في صدر أركون. حاول أن يلتقط أنفاسه، لكنه شعر بأن شيئًا ثقيلًا قد وُضع على صدره فجأة. كيف يمكن لهذا أن يحدث؟ كيف يمكن لديمير أن يهرب، وكيف أصيب أندرو، وهو الذي كان يظن أنه في أمان؟
لكن الأسوأ من كل ذلك... كان الشعور القاتل بالذنب، لأن جزءًا منه كان يعلم أنه لو أصرّ أكثر، لو تصرف بطريقة مختلفة، ربما كان يمكنه منع هذا من الحدوث.
"تبًا..." تمتم بصوت منخفض، ثم شدّ قبضتيه بقوة حتى بيضت مفاصلهما، ثم رفع عينيه الحادتين إلى توماس، وقال بصوت خالٍ من أي تردد، لكنه مليء بالغضب: أين هو أندرو الآن؟!
في تلك اللحظة، كان ادريان يقترب بهدوء من أركون وأدريان، وجهه يعكس بعض القلق، لكنه كان يحاول الحفاظ على هدوءه. في حين كان الجو مشحونًا بحالة من التوتر، لم يكن أحد يتكلم بسرعة. كل شيء كان هادئًا، لكن تلك الهدوء كانت تخفي وراءها الكثير من القلق.
"ما هذا الصراخ؟ صوتكما وصل للأعلى، ماذا حدث هنا؟" سأل أدريان بهدوء، كأنما يحاول فهم ما يجري، وهو يلتفت إلى أركون وتوماس. كان صوته خاليًا من الانفعال، لكنه يحمل في طياته تساؤلًا واضحًا.
صمت لفترة قصيرة، ثم بدأ أركون يتحدث بنبرة هادئة: أخي... أندرو أصيب.
أدريان، الذي شعر ببعض الدهشة، توقف للحظة ليحاول استيعاب ما قاله أركون. كان يفكر في الأمر قبل أن يطرح سؤاله بنفعال: كيف؟ أين هو؟ كيف أصيب؟
توماس، الذي كان يتطلع إلى أخيه، رد بهدوء شديد، لكنه كان يحمل بعض الغضب الكامن في كلماته: لقد غادر ليلة أمس للقبض على ديمير. تمكن من الإمساك به في المطار قبل أن يسافر وأخذه إلى المقر. أنت تعرف ماذا يمكن أن يحدث هناك.
نظر أركون إلى توماس بصمت، ثم التفت إلى أدريان وقال: لكن عندما ذهب لتفقده في غرفته، لم يجده. بحث عنه في كل مكان، ثم اكتشف أن ديمير قد هرب.
أدريان عبس قليلاً، ثم رد بهدوء: حسنًا، لا يهم إذا هرب ديمير أو لا، لكن كيف أصيب أندرو؟
توماس تنهد قليلاً، ثم أجاب بصوت أقل حدة: بعد هروب ديمير، وصل حراسه إلى المقر. حدثشجار بينهم، وكان أندرو هناك، و تعرض لإصابة.
أدريان فكر قليلاً في كلام توماس، ثم قال بنبرة أكثر هدوءًا: إذاً، أندرو أصيب. ماذا تفعلون هنا لندهب بسرعه.

اوووه! هذه الصورة لا تتبع إرشادات المحتوى الخاصة بنا. لمتابعة النشر، يرجى إزالتها أو تحميل صورة أخرى.
𝑰 𝑾𝑨𝑵𝑻 𝒀𝑶𝑼 𝑭𝑶𝑹 𝑴𝒀𝑺𝑬𝑳𝑭 𝑶𝑵𝑳𝒀 ❀قصص لتهوسّ بها. اكتشف الآن