كانت السيارة أشبه بسجن ضيق يحبس أنفاسهما، محاصرًا إياهما في دوامة من المشاعر المتضاربة، الغضب، الحزن، الحب، والخذلان. كل شيء كان يتصاعد بسرعة كأنهما يقفان على بركان يكاد ينفجر تحت قدميهما.
أندرو كان يقف أمامها، جسده متوتر، عضلات فكه مشدودة، وعيناه كانتا تشتعلان بنيران الغضب واليأس. كان لا يزال يحاول استيعاب ما قالته إليف، يحاول إيجاد تفسير منطقي لهذا القرار المفاجئ. كيف يمكن لها أن تطلب منه الابتعاد؟ كيف يمكنها حتى أن تتفوه بمثل هذه الكلمات وكأنها لا تعني شيئًا؟
مد يده فجأة وأمسك بمعصمها بقوة، شدها نحوه بعصبية، نبرته كانت تخرج بصوت أكثر خشونة من المعتاد، كأنه يختنق من الداخل: إليف، لا تدفعيني للجنون! لا يمكنكِ الابتعاد عني، هل تفهمين؟!
لكنها لم تستجب لصوته الغاضب، لم تخفِ حزنها، ولم تحاول حتى تهدئته. بدلاً من ذلك، رفعت وجهها إليه بعينين ممتلئتين بالدموع، صرخت بصوت مرتجف، وكأنها تصرخ في وجه ألمها الداخلي قبل أن تصرخ فيه:أندرو، أرجوك! أخبرتك، يجب أن نبتعد عن بعضنا! لماذا لا تفهم؟!
كان قلبها يتوسل إليه أن يتوقف عن الضغط عليها، أن يتقبل الأمر، لكنها كانت تعلم أن أندرو لن يستسلم بسهولة.
صوت ارتطام يده العنيفة بجسم السيارة صدح في المكان، جعلها ترتجف للحظة، لم يكن أندرو من النوع الذي يفقد أعصابه بهذه الطريقة، لكنه الآن كان يفعل، كان يحترق من الداخل، يشعر بالعجز وهو يراها تدمر كل شيء بينهما دون سبب واضح.
صرخ بصوت عميق، يملؤه القهر والجنون: لماذا؟! ماذا حصل فجأة؟! أخبريني!
لكن إليف لم تجب.
لم تستطع أن تجيب.
كل ما فعلته هو تعديل جلستها ببطء، ضمت يديها إلى صدرها وكأنها تحاول حماية نفسها من شيء ما، نظرت إلى الجهة الأخرى، تفادت عينيه، رغم أن دموعها كانت تنساب بصمت، إلا أن تعابيرها كانت تحاول أن تبين أنها لا تهتم، أنها قد اتخذت قرارها ولا رجوع فيه.
قالت بصوت بارد، لكنه كان يرتجف رغمًا عنها: لا يهم، أندرو... لكن يجب أن نبتعد عن بعضنا.
مرت ثوانٍ طويلة دون أن ينطق أحدهما بأي كلمة، كان الصمت بينهما يثقل الهواء، وكأنه حاجز غير مرئي يزداد سمكًا مع كل لحظة تمر.
ثم فجأة، تغيرت نبرة أندرو. لم يعد يصرخ، لم يعد غاضبًا بنفس الحدة، بل أصبح صوته هادئًا بشكل مخيف، خطير، كأنه يتخذ قراره النهائي.
اقترب منها قليلاً، نظر مباشرة في عينيها، ثم قال بصوت منخفض، لكنه كان ممتلئًا بالتحدي والألم في الوقت ذاته: حسنًا... انظري إليّ وقوليها.
لم تفهم ما الذي يعنيه في البداية، نظرت إليه بتوتر، حذر، لكنه أكمل، بنفس النبرة التي جعلت قلبها يخفق بقوة: انظري إلي مباشرة، إلى عيني، وقولي أنكِ لا تريدينني. قولي إنكِ لا تحبيني.
شعرت إليف وكأن حلقها جف تمامًا، وكأن الكلمات علقت بين شفتيها، ترفض الخروج. قلبها كان يصرخ بها، يخبرها ألا تفعل، ألا تنطق بهذه الكلمات، لكنه كان ينظر إليها بتلك الطريقة التي لا تحتملها، بعينين متوسلتين رغم هدوء صوته الظاهري.
بلعت ريقها بصعوبة، أخذت نفسًا مرتجفًا، ثم همست بصوت بالكاد سُمع، لكن كل حرف منه كان يطعن قلبها: أنا... لا أريدك.
لكن أندرو لم يكتفِ.
حدق بها أكثر، اقترب أكثر، وكأنه يحاول التغلغل في روحها، يجبرها على قول الحقيقة، على الاعتراف بأنها تكذب.
قال بحدة، بصوت أكثر عمقًا، جعله يبدو وكأنه يضغط على جرح نازف: مرة أخرى، إليف... انظري إليّ مباشرة، في عيني، وقوليها.
رفعت عينيها إليه، كانت يداها ترتجفان، لم تستطع السيطرة على ترددها. لكن كان عليها أن تفعل، كان عليها أن تنهي هذا، حتى لو كان ذلك يعني تدمير قلبها بيديها.
حاولت الحفاظ على هدوئها، رغم أنها شعرت بأن قلبها يكاد ينفجر داخل صدرها.
نظرت إليه، إلى عينيه اللتين كانتا محمرتين من شدة الغضب والألم، وقالت بصوت متقطع، مترددة، لكنها أخرجت الكلمات على أي حال: أنا... لا أريدك...
توقفت، شعرت بأن الهواء قد انقطع عن رئتيها للحظة، لكنها أجبرت نفسها على الاستمرار.
ولا... أ... أحبك.
بعدما خرجت هذه الكلمات من بين شفتيها، شعرت وكأن جزءًا منها قد مات للتو. كأنها خنقت قلبها بيديها.
لكن أندرو لم يقل شيئًا بعدها.
ظل صامتًا للحظة، فقط يحدق بها وكأنه يراها لأول مرة. وكأنها شخص غريب يقف أمامه، شخص لم يعرفه من قبل.
ثم قال أخيرًا، بصوت هادئ، قاتل، كأن روحه انسحبت منه مع كلماته: حسنًا...
لم يكن هناك صراخ، لم يكن هناك انهيار، فقط تلك الكلمة الواحدة التي جعلت قلب إليف ينكمش داخل صدرها، وكأنها تلقت صفعة غير مرئية.
رأته يستقيم، يشيح بوجهه عنها، كأنه يحاول استيعاب ما حدث.
كان هذا أسوأ شيء يمكن أن يحدث.
لأن أندرو عندما يغضب، فهو يصرخ، يحطم الأشياء، يفقد صوابه.
لكنه الآن كان هادئًا تمامًا.
وهذا يعني أنه كان قد قرر تصديق كلماتها.
حتى لو كانت كذبة.
أغلق أندرو باب السيارة بعنف، اهتزت المركبة للحظة تحت قوة ضربته، لكنه لم يكترث. وقف في مكانه للحظات، يتنفس بعمق، يحاول أن يسيطر على الغضب الذي كان يتفجر داخله. لم يكن يريد الصراخ، لم يكن يريد الانفجار، لكنه شعر وكأن قلبه يحترق من الداخل.
رفع عينيه ونظر إلى زجاج السيارة الأسود، كان يعلم أنها هناك، خلف ذلك الحاجز القاتم، لكنها لم تعد مرئية له. تمامًا كما أصبح هو الآن غير مرئي بالنسبة لها.
في الداخل، كانت إليف تحاول جاهدة ألا تنهار، كانت دموعها تتساقط بصمت على وجنتيها، تخشى أن يسمعها، أن يشعر بضعفها، أن يدرك أنها تكذب. لكن أكثر ما كانت تخشاه هو أن يغادر فعلًا... أن يرحل قبل أن تخبره الحقيقة.
رأته من خلال الزجاج وهو يخرج هاتفه، يضعه على أذنه ويتحدث مع أحد، ملامحه قاسية، نبرته حادة، لكنه كان يحاول السيطرة على نفسه. استمر الحديث لدقائق معدودة، ثم رأته يبتعد عن السيارة، خطاه كانت سريعة، غاضبة، لكنها لم تكن مترددة.
شعرت أن روحها تمزقت في تلك اللحظة، أرادت أن تفتح الباب، أن تركض خلفه، أن تصرخ باسمه وتقول له الحقيقة... أن تعترف بأنها تحبه، بأنها تريده، بأنه كل شيء بالنسبة لها.
لكنها لم تستطع.
كانت مجبرة على التراجع، مضطرة لخسارته الآن كي لا تفقده للأبد.
مرت دقائق بطيئة، كانت تشعر بأن الوقت قد توقف، وكأنها محاصرة في عالم مظلم بلا صوت.
ثم، فجأة، رأت رجلاً يقترب من السيارة، فتح الباب وجلس بجانبها بهدوء. لم تكن تعرفه، لكنها شعرت بأن قلبها يغرق أكثر.
نظر إليها الرجل بنظرة هادئة وقال بصوت خالٍ من أي مشاعر: أنا السائق، طلب مني أندرو أن أوصلكِ إلى القصر.
لم تجبه، لم تستطع حتى الالتفات نحوه.
ظلت صامتة، عيناها معلقة بالنافذة، تشاهد العالم يمر من أمامها بينما تبكي بصمت.
أما السائق، فببساطة نفذ الأوامر، شغل المحرك وانطلق باتجاه القصر، تاركًا وراءه قلبًا محطمًا وذكرى مؤلمة لن تُنسى.
•••••••••••♡♕
أنت تقرأ
𝑰 𝑾𝑨𝑵𝑻 𝒀𝑶𝑼 𝑭𝑶𝑹 𝑴𝒀𝑺𝑬𝑳𝑭 𝑶𝑵𝑳𝒀 ❀
Action😊🥰"هو الأسد الملكي الذي يتصدى للتحديات بشجاعة وقوة، بينما هي الفراشة الرقيقة التي تحمل جمالاً بريئاً يعكس سحرها بدون جهد." " هو الجبل الشامخ الذي يثبت صلابته أمام العواصف، بينما هي الزهرة الصغيرة التي تنمو براءة في أعماق الوديان." " هو الصخر الصلب...
