بارت 70

92 2 0
                                        


توقفت سيارة توماس بسرعة بجانب مدخل المشفى، وتدفقت مياه المطر على سطحها، تشكلت برك صغيرة أسفل الإطارات بينما انخفض صوت المحرك تدريجيًا. فتح الأبواب الثلاثة في وقت واحد تقريبًا، وخرج أركون، أدريان، وتوماس إلى الخارج تحت السماء الملبدة بالغيوم، الأمطار كانت تنهمر بغزارة، مما جعل معاطفهم تبتل سريعًا، لكنهم لم يكترثوا لذلك. مشوا بخطوات واثقة إلى داخل المشفى، هالتهم المعتادة تسبقهم، وتفرض صمتًا تامًا على المكان.
عند دخولهم المشفى، عمّ المكان صمتٌ مهيب، وكأن الجميع أدرك على الفور من هؤلاء الرجال. جميع من كان هناك، من أطباء، ممرضين، وحتى المرضى أنفسهم، كانوا ينظرون إليهم بنظرات مزيجها الاحترام والخوف. هؤلاء ليسوا مجرد رجال عاديين، بل هم من يُشار إليهم كأقوى زعماء في إيطاليا، أو كما يصفهم البعض "أقوى زعماء في العالم". لا أحد يجرؤ على الاقتراب منهم أو مقاطعتهم، كانوا كأنهم ملوكٌ لا يُمسّون.
لا أحد تجرأ على تبادل الحديث بصوت مرتفع أثناء مرورهم. كان الجميع يعلم أن هناك شيئًا خطيرًا قد حدث، وإلا لما كانوا هنا، وبالتأكيد لم يكن أحد يرغب في التدخل في أمر يخصهم.
دون أي إبطاء، توجهوا مباشرة نحو القسم الخاص بهم، قسم العناية المشددة الذي لم يكن مسموحًا لأي شخص بالدخول إليه سوى أفراد عائلتهم. المشفى بأكمله كان ملكًا لهم، وجناحهم هذا كان مجهزًا بأحدث المعدات والتقنيات الطبية، لكنه لم يكن مجرد جناح طبي، بل أقرب إلى قصر صغير داخل المشفى.وقد صُمم ليكون على مستوى رفاهية لا تضاهيها أي مستشفى أخرى في العالم.
عند وصولهم إلى الغرفة، فتح توماس الباب بهدوء، ليكشف عن مساحة شاسعة، مختلفة تمامًا عن أي غرفة في مشفى تقليدي. الجدران كانت مغطاة برخام أسود لامع تتخلله لمسات من الذهب الفاخر، أما الأرضية فكانت مصنوعة من الخشب الداكن المصقول بعناية. على الجانب الأيمن، كان هناك سرير طبي فاخر بحجم ملكي، مزود بأغطية بيضاء نقية ووسائد مرتبة بدقة.
أما الجدار المقابل، فكان يتكون بالكامل من نوافذ زجاجية ضخمة تمتد من الأرض إلى السقف، تُطل على المدينة التي كانت مضاءة بأضواء المساء، ورغم الأمطار التي كانت تتساقط بغزارة، إلا أن منظرها كان ساحرًا.
في منتصف الغرفة، كان هناك ركن جلوس فاخر، يتكون من أرائك جلدية سوداء وطاولة زجاجية أنيقة، على سطحها مجموعة من المستندات وبعض الأدوية الموضوعة بعناية. في الزاوية البعيدة، كان هناك مكتب كبير مصنوع من خشب الماهوجني، تحيط به مكتبة صغيرة مليئة بالكتب والمجلدات الفاخرة.
الجو داخل الغرفة كان هادئًا، إلا أن ثقل التوتر كان واضحًا في الهواء، وكأن الجدران نفسها تحتفظ بأصوات الألم والمعاناة التي مرت بها هذه العائلة.
وقعت أعينهم على السرير بمجرد دخولهم، لكنهم لم يجدوا أحدًا مستلقيًا عليه، مما جعلهم يحدقون حولهم للحظات،
لفت انتباههم الرجل الواقف بجانب النافذة، شاردًا، يحدّق خارجها بصمت. كان أندرو، جسده العاري يُظهر بوضوح آثار إصابته. ضماده الأبيض كان يلف كتفه وصدره بالكامل، وآثار الدم الجاف كانت لا تزال ظاهرة في بعض الأماكن. رغم إصابته، لم يكن يبدو ضعيفًا أبدًا، بل كان يقف بثبات، جسده القوي يشع هيبة حتى في حالته تلك. وعيناه كانتا تحملان
نظرة لا توصف، مزيج من الألم والغضب والشرود العميق.
لم يقطع أحد الصمت، لكن أعين الثلاثة كانت تراقبه بدقة. لم يكن بحاجة لأن يلتفت إليهم ليعلم أنهم
هنا، فقد شعر بوجودهم فور دخولهم، لكنه لم يتحرك، ظلّ يحدّق خارج النافذة، وكأنه يفكر في شيء بعيد جدًا.
توماس كان أول من تحدث، بصوت هادئ لكنه
يحمل صرامة واضحة: كان بإمكانك تجنب كل هذا،
أندرو.
لم يرد أندرو على الفور، بل أخذ نفسًا عميقًا، ثم قال بصوت هادئ لكنه عميق: كان بإمكاني، لكنني لم أفعل.
أدريان تقدم بضع خطوات، وقف بجانبه لكنه لم ينظر إليه مباشرة، بل تابع النظر إلى النافذة أيضًا، وكأنه يحاول فهم ما كان يفكر به أندرو. قال بصوت أقل حدة من توماس، لكنه لا يزال يحمل بعض الجدية: ديمير هرب، وأنت كدت تفقد حياتك. هل تعتقد أن الأمر يستحق؟
أندرو ضحك بسخرية خفيفة، وأدار رأسه لينظر إلى أدريان مباشرة، عينيه الباردة لم تحمل أي ندم: أنا لم أخسر حياتي، لكن ديمير خسر فرصته الأخيرة. قد يكون هرب، لكن ثق بي، لن يذهب بعيدًا.
توماس الذي كان صامتًا طوال الوقت، استند إلى الجدار متقاطع الذراعين، ثم قال بصوت هادئ لكنه حاد: ربما، لكن كان بإمكانك إخبارنا قبل أن تخاطر بنفسك هكذا.
أندرو نظر إليه للحظة، ثم هز رأسه قائلاً: تعرفني جيدًا، توماس. لو أخبرتكم، كنتم ستمنعوني.
توماس زفر بضيق، ثم تقدم نحوه قائلاً بحدة أخف من السابق: هل تفهم أننا كنا على وشك فقدانك؟ نحن لا نخسر أفراد عائلتنا بهذه السهولة، أندرو.
أندرو لم يقل شيئًا هذه المرة، لكنه لم ينكر كلام توماس أيضًا. كان يدرك أنهم محقون، لكنه أيضًا لم يكن يندم على قراره. هذا كان جزءًا من طبيعته، لن يتغير أبدًا.
مرّت لحظات من الصمت، قبل أن يقول أدريان بنبرة أخف: هل أنت بخير؟
أندرو نظر إليه، ثم ابتسم قليلاً، ابتسامة خفيفة
لكنها صادقة: أنا دائمًا بخير، حتى عندما لا أبدو كذلك.
لم يكن هناك داعٍ للمزيد من الكلمات. الجميع فهموا بعضهم البعض دون الحاجة لشرح طويل. في النهاية، هم لم يكونوا مجرد زعماء أقوياء، بل كانوا عائلة، وهذا هو ما يربطهم أكثر من أي شيء آخر.
•••••••••♡♕

𝑰 𝑾𝑨𝑵𝑻 𝒀𝑶𝑼 𝑭𝑶𝑹 𝑴𝒀𝑺𝑬𝑳𝑭 𝑶𝑵𝑳𝒀 ❀حيث تعيش القصص. اكتشف الآن