بارت 72

37 1 0
                                        

أخذ أركون المعطف من يدي إليف، نظر إليها بنظرة جانبية قبل أن يحمله على ذراعه دون أن يقول شيئًا. لم تعترض، بل تنفست براحة، وكأن المعطف الثقيل كان سبب اختناقها طوال الوقت. لم تلاحظ كيف مسح توماس على ظهرها برفق، محاولًا تهدئتها دون أن يلفت انتباه الجميع.
في تلك اللحظة، انفتح باب المصعد ببطء، ليكشف عن الهواء البارد الذي تسلل بسرعة إلى الداخل. كان الجميع يتوقعون أن تخرج إليف بهدوء، ربما بعد أن تستعيد توازنها، لكن ما حدث كان عكس ذلك تمامًا.
فورًا، ركضت للخارج بمرح طفولي، وكأن شيئًا لم يحدث لها قبل قليل، وكأنها لم تكن تلهث وتكافح من أجل الهواء في المصعد. كانت حركتها خفيفة، أشبه بريشة تتطاير مع الريح، وأقدامها كانت تغوص قليلًا في الثلج الناعم الذي يغطي الأرض.
وقف الجميع يراقبونها بصمت، قبل أن ترتسم ابتسامات خفيفة على وجوههم. لم يكن هناك أحد قادر على كبح تلك الابتسامة، فقد كان تصرفها العفوي مثيرًا للدهشة. كيف يمكن لشخص أن يتحول بهذه السرعة من حالة إرهاق شديدة إلى حماس طفولي ساحر؟
تحرك الجميع خلفها بهدوء، خطواتهم كانت ثابتة، بينما هم غارقون في نقاشاتهم الجادة حول الصفقة المهمة التي من المقرر أن تتم بعد أسبوع. كانوا يتحدثون عن تفاصيلها، وعن كيفية التعامل مع غياب أندرو المؤقت أثناء إتمام بعض الإجراءات في الخارج.
لكن إليف لم تكن تهتم بأي شيء من ذلك. كانت منشغلة تمامًا بشيء آخر، شيء سلب عقلها وقلبها في لحظة.
عندما توقفت للحظة وسط الثلج، كان بسبب رؤيتها لشيء صغير ومثير للاهتمام. هناك، على بُعد خطوات قليلة منها، كانت قطة صغيرة تجلس على الثلج، وكأنها جزء منه. كانت صغيرة جدًا، بالكاد تستطيع أن تميزها لولا أن عيناها الزرقاوان كانتا تشعّان بوهج ساحر وسط اللون الأبيض المحيط بها.

اتسعت عينا إليف باندهاش، وكأنها رأت شيئًا خياليًا لا يمكن تصديقه. ثم، دون تفكير، أطلقت صوتًا لطيفًا أشبه بصوت الأطفال عندما يرون شيئًا يعجبهم بشدة. كان صوتها ناعمًا، دافئًا، يحمل نغمة من الدهشة والفرح، مما جعل أندرو والبقية يلتفتون نحوها للحظة قبل أن يعودوا إلى حديثهم.
لكن أندرو لم يعد قادرًا على التركيز.
في اللحظة التي ركضت فيها إليف نحو القطة، كان عقله قد توقف تمامًا عن استيعاب أي شيء آخر. راقبها وهي تنحني بلطف، تمد يديها الصغيرة نحو القطة بحذر، ثم تلتقطها برقة وكأنها تخشى أن تؤذيها.
ضمتها إلى صدرها بحنان شديد، وشعرت بحرارة جسدها تمتزج مع البرودة الشديدة من الفرو الناعم. قبلتها على رأسها الصغير قبلة خفيفة، وشعرت بأن القطة تسترخي بين يديها، وكأنها وجدت ملجأ آمنًا وسط البرد القارس.
ابتسمت أكثر وهي تهمس لها بلطف: أنتِ صغيرة جدًا... كيف بقيتِ هنا وحدك وسط هذا البرد؟
كانت تلك القطة تشبه إليف بشكل مذهل.
بشرتها البيضاء الناصعة، عيناها الواسعتان باللون السماوي النقي، وحتى نعومة ملامحها الطفولية... كل شيء كان يوحي بأن هذه القطة خُلقت لتكون شبيهتها الصغيرة.
أما أندرو، فكان يراقب المشهد بعينين ساهمتين، دون أن يدرك حتى أن توماس كان يتحدث إليه.
توماس، الذي لاحظ شرود أندرو التام، لم يستطع إلا أن يبتسم بسخرية جانبية، قبل أن يقول بهدوء وهو يرمقه بنظرة ماكرة: أندرو، أعتقد أنك لم تسمع أي شيء مما قلناه، أليس كذلك؟
أندرو لم يتحرك، لم يبعد نظره عن إليف حتى للحظة واحدة، وكأن كل ما حوله تلاشى ولم يعد له وجود. تنفس ببطء، ثم رد بنفس النبرة الهادئة، لكن بكلمات تحمل أكثر مما تبدو عليه: كيف لي أن أسمعكم بينما أختك تخطف عقلي في كل مرة؟
كانت كلماته صادقة تمامًا.
إليف كانت تخطف عقله دون أدنى جهد منها. كانت تسرق انتباهه بكل تصرف بسيط تقوم به، بعفويتها، ببراءتها، وحتى بسخافتها التي كان يجدها جذّابة بشكل غريب.
حاول أن يركز على العمل، حاول أن يتجاهل ذلك الانجذاب الذي يشعر به نحوها، لكنه كان يفشل دائمًا. كانت إليف تمتلك تأثيرًا غير عادي عليه، تأثيرًا لم يستطع أحد أن يسببه له من قبل.
وقف هناك، يتابعها بعينيه، وهي تحتضن القطة الصغيرة، تهمس لها بكلمات غير مفهومة، وتضحك بخفّة بينما تتلاعب بأناملها بفروها الأبيض الناعم.
وفي تلك اللحظة، كان يدرك شيئًا واحدًا فقط.
إليف...
هي نقطة ضعفه الوحيدة.
ظل أندرو صامتًا للحظات، عيناه لا تزالان مسمرة على إليف التي كانت تحتضن القطة الصغيرة وكأنها أهم شيء في العالم. كان عقله يعمل بسرعة، بين التفكير في الصفقة وبين قرار السفر الذي سيفرض عليه البقاء بعيدًا عن العمليات خلال الأيام القادمة.
لكن أدريان لم يكن ليدعه يستمر في شروده أكثر.
اقترب منه بخطوات هادئة، قال بصوت منخفض لكنه حاسم: أندرو، يمكنك تأجيل النظر إليها قليلًا... لأنك ستقضي معها وقتًا كافيًا عندما تسافر معها غدًا.
رفع أندرو عينيه إليه ببطء، لم يكن مفاجئًا أن أدريان يعرف ما يدور في رأسه، فلطالما كان يقرأه بسهولة. لم يقل شيئًا، لكنه استدار أخيرًا عن إليف وعاد إلى وضعه الطبيعي-الرئيس، القائد الذي عليه ترتيب الأمور قبل مغادرته.
تنفس ببطء، ثم نظر إلى الرجال أمامه وقال بصوت عميق يحمل الجدية المطلقة: حسنًا، دعونا نبدأ. سأكون بعيدًا في اليومين القادمين، وهذا يعني أن كل شيء يجب أن يكون تحت السيطرة هنا. الصفقة القادمة ليست مجرد صفقة عادية، إنها واحدة من أخطر العمليات التي سنخوضها، ولا مجال للخطأ.
أشار إليهم بيده ليقتربوا، وكأنه يريد أن يضع النقاط على الحروف بوضوح.
نحن نتعامل مع الروس هذه المرة. لا مجال للخداع، لا مجال للعبث. إنهم أوفياء بطبيعتهم، لكن إذا شعروا أننا نلعب ضدهم، فلن يترددوا في تحويلنا إلى جثث خلال لحظات.
تحولت نبرته إلى حادة أكثر، وكأنه يريد أن يغرس كلماته في عقولهم: الموقع سيكون في المستودع رقم 74 في المنطقة الصناعية القديمة. المكان محاط بالمباني المهجورة، قريب من الميناء حيث سيتم شحن البضائع مباشرة. إنه المكان المثالي لإتمام العملية دون لفت الأنظار، لكن هذا لا يعني أننا في مأمن.
ثم بدأ بتقسيم المهام بدقة، وكأنه يضع خطة عسكرية:
1. "توماس، أنت ستكون مسؤولًا عن الأمن. أريد كاميرات مراقبة في كل زاوية، وأريد رجالًا مسلحين حول المستودع لضمان عدم وجود أي تدخل غير متوقع. الشرطة، المجموعات المنافسة، أو حتى أي خائن محتمل-كل الاحتمالات يجب أن تكون محسوبة.
2. "أركون، أنت ستكون المتحدث الرئيسي مع الروس عند وصولهم. أنت تفهم طريقتهم في العمل، وتعرف أنهم يكرهون التردد أو التلاعب بالكلمات. أي خطأ في التفاوض قد يعني كارثة، لذلك لا أريد أي توتر بينهم وبين رجالنا.
3. "أدريان، ستكون المشرف العام على العملية. سأترك لك صلاحية اتخاذ القرارات في حال حدوث أي طارئ أثناء غيابي. إذا شعرت أن هناك خطرًا، لا تتردد في إلغاء الصفقة فورًا.
توقف للحظة، ثم نظر إليهم واحدًا تلو الآخر، وكأنه يختبر مدى استعدادهم.
أما أنا... فسأسافر مع إليف غدًا، لكنني سأبقى متابعًا لكل شيء عن بعد. أي مشكلة، أي تطور غير متوقع، أريد تقريرًا مباشرًا.
لم يكن هناك مجال للرفض، لم يكن هناك تردد في كلماته، كانوا جميعًا يعرفون أن كل قرار يتخذه أندرو يكون محسوبًا بدقة.
أخذ نفسًا عميقًا، ثم أضاف: هذه الصفقة قد تكون نقطة تحول بالنسبة لنا. إذا نجحنا فيها، سنتحكم بالسوق بشكل كامل، وإذا فشلنا...
لم يُكمل جملته، لكن الجميع فهم ما يعنيه. الفشل لم يكن خيارًا.
ساد الصمت للحظات، قبل أن يقطعه أركون بابتسامة جانبية وهو ينظر إلى أندرو: إذن، ستذهب للاستمتاع بوقتك مع إليف بينما نغرق نحن في العمل؟
ضحك توماس بخفة، بينما رفع أندرو حاجبه ببرود قبل أن يرد بجملة قصيرة لكنها حادة: بل سأترككم لإثبات أنكم تستطيعون التصرف بدوني.

𝑰 𝑾𝑨𝑵𝑻 𝒀𝑶𝑼 𝑭𝑶𝑹 𝑴𝒀𝑺𝑬𝑳𝑭 𝑶𝑵𝑳𝒀 ❀قصص لتهوسّ بها. اكتشف الآن