53|سقوط.

940 72 84
                                        

صلِّ على النبي.
سبحان الله بحمده سبحان الله العظيم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليلة اليوم التالي.
إحدى مستودعات موسكو الحدودية.

اندفع ريكاردو يهبط الدرج الحديدي المتهالك في المستودع، صريره يصرخ مع كل خطوة، والمصباح الأبيض فوقه يتأرجح كجثة في حبل، ينثر ظله المرتجف على الجدران الباهتة.

ضوء القمر يتسلل من شقوق السقف، شاحبًا، كأنه لا يجرؤ على ملامسة الدم.

رجل من رجال إيڤالوس اقترب سريعًا، قال لاهثًا:
«السيد رالف… أُخرج، نُقل لمشفى أبريل».

أومأ له دون أن ينطق، قبض على بندقيته كأنما يشد بها آخر خيوط عقله، ضغطها على كتفه، وركض.

الحديد يجلجل تحت قدميه، والهواء مليء بما لا يُقال:
رائحة بارود وموت وانتصار باهت…

الهدوء الذي يعقب المجزرة، لا يشبه السلام، بل يشبه الجحيم وقد فرغ من صرخاته.

صرخ بصوت مشروخ، صوته تقطّع كأنما خرج من حنجرته لا من فمه:
«ريني... صغيري!».

لم يكن ينادي، بل ينتشل.
ينتشل جزءًا من روحه ضاع في العتمة.

صدى صوته تردد في المكان، ورجال إيڤالوس ما زالوا يبحثون عن ذاك الطفل، رالف أنقذ لكن رينلي ما زال غير معروق مصيره.

خطوات القائد لم تتباطأ، لم ينظر يمينًا ولا شمالًا، كل غرفة يعبرها تنزف ذكريات القتال… جثث مبعثرة، أسلحة مُلقاة، نظرات شاردة من رجال إيڤالوس، لم يرهم حتى.

كل ما بقي في وعيه كان صورة صغيرة لطفل لم يُكمل تسعة عشر شهرًا…
صغيره.

لا يعرف كيف تنفّس منذ خطفه، كيف ظل قلبه ينبض وهو ليس في حضنه.

توقّف عند باب معدني صدئ، عليه كتابة باهتة:
CO₂

همس في داخله شيء متوترًا:
«هذا هو».

فتح الباب، فاندفعت رائحة خانقة، كأن الغرفة اختنقت واحتجزت أنفاسها إلى أن فُتحت.

هواء كثيف، ثقيل، كأنه يحفر في الرئتين.
لكن قدميه لم تتراجعا.

اندفع وسط الضباب، يبحث، بعينين مفتوحتين رغم الحرقة.
وهناك… على الأرض… رآها.

ميرال.
وجهها شاحب، جروحها تمزق القماش والجلد، أنفاسها ثقيلة، لكنها كانت تقاوم، لم تهرب، ولم تستسلم للموت بعد.

ركع إليها، رفعها بين ذراعيه، وخرج بها من الغرفة، ناولها لأحد رجاله، صوته هذه المرة لم يكن رجاءً، بل أمرًا لا يُرد:
«خذها… مستشفى أبريل، بأسرع وقت!».

قبل أن ينطق الآخر بحرف، عاد إلى الجري.

أشد.
أسرع.
أعنف.

شؤم الثامنة عشر. قصص لتهوسّ بها. اكتشف الآن