59

679 71 85
                                        

صلِّ على النبي
سبحان الله بحمده سبحان الله العظيم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


جلس ريتشارد على المقعد الحديدي البارد في الممر الطويل، عيناه معلقتان بالضوء الأحمر المشتعل فوق باب دار العمليات، كأنه جرحٌ لا ينطفئ.

بين يديه هاتفه الذي أنهى به حديثًا مقتضبًا مع أنطونيو، وما زال صوته عالقًا في أذنه.

زفر بحدة، وأرخى رأسه للخلف، يحاول أن يطرد شبح الصور التي تتقافز أمامه…

. . .

كان أنطونيو قد أسند جسد بارسيفال المتهالك في المقعد الخلفي للسيارة، وهرع ليفتح الباب الأمامي، لكن يدًا قوية اعترضت معصمه.

التفت بعصبية، فوجد ريتشارد يحدّق فيه بصرامة لم يعرفها فيه من قبل.

تحدث ببرود قاتل، لا يحتمل نقاشًا:
«أنا من سيذهب».

تسمرت نظرات أنطونيو عليه مبهوتًا، وسأل:
«ماذا؟! ولماذا؟!».

أشار ريتشارد بحدة إلى قميصه الملطخ بالدماء، وصوته أكثر جمودًا من الرخام:
«بهذا المظهر لن يسمحوا لك أن تخطو خطوة واحدة… أنا من سيأخذه».

أطبق أنطونيو شفتيه، ثم أومأ على مضض، لكنه اقترب وهمس بصرامة متوترة:
«إياك أن تدعهم يفتحونه فورًا… دمه خفيف، سينزف حتى الموت، أخبر الطبيب… اجعلهم يتأنون».

رمش ريتشارد ببطء، كأنه يطبع كلمات صديقه في صدره، ثم أجاب بحزم:
«سأتصل بك حال وصولي، غيّر ثيابك وتعال سريعًا».

ومع حركة حادة، حرر معصمه من قبضة أنطونيو، ودفع الباب ليصعد.
دوّى صوت المحرك في ليل المدينة، وهو ينطلق كمن يسابق قدرًا محتومًا.

. . .

جلس الآن في الممر، وكلما لمح ذلك الضوء الأحمر، ضاق صدره أكثر، وهمس من بين أسنانه، كمن يصلي:
«أرجوك… قاوم يا بارسيفال».

ــــــــــــــــــــــــــ

انشدّ الضماد الأبيض حول صدر أنطونيو بإحكام، فيما قطرات الدم ما زالت تنفذ بخبث من بين طبقاته لتلطخه بحمرة داكنة، كأنها ترفض الاستسلام.

رفع مارفيل المقص الحاد وقص الحافة الزائدة، ثم ثبّت الرباط عند ظهره بحذر، وأعاد الأدوات إلى السفرة المعدنية التي أصدرت طنينًا خفيفًا في الصمت الثقيل.

يجلس أنطونيو على المقعد العريض بلا مسند، كتفاه مثقلتان بالضمادات، صدره محاصر باللفائف، وندوب متناثرة تلوح على رقبته وذراعيه.

الصمت الذي خيّم خلفه كان كالسحاب الداكن، يوشك أن يطبق على أنفاسه.

أخفض صوته، أجشًّا مبحوحًا، محاولًا أن يلبس نبرة الصلابة:
«مارڤل…».

شؤم الثامنة عشر. حيث تعيش القصص. اكتشف الآن