56|خدع

824 76 30
                                        

صلِّ على النبي
سبحان الله بحمده سبحان الله العظيم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الشتاء هنا لا يرحم، والبرد لا يعضّ بل ينهش، الخراب يملأ المكان؛ سقف مشقوق، نوافذ محطّمة، وأخشاب قديمة تنخرها الريح.

روائح العفن والبارود تختلط في الهواء، كأن الموت نفسه يتنفس في هذه الأطلال.

الرصاص ينهال في البعيد كالمطر، كأن الحرب لا تريد أن تهدأ، لا هنا، ولا في الصدور.

ركع مالك عند النافذة المهشّمة، خشبها يئن تحته، وسجادة الثلج تغزو الأرضيات كأنها تطارد الهاربين.

بندقيته مستقرة على الحافة، باردة مثل عينيه، طويلة مثل ثأره.
كل شيء فيه جامد... عدا سبّابته.

إلى جواره، جثة هامدة لرجلٍ كانت أنفاسه ثقيلة قبل دقائق.
أحد كلاب رافيان...
والآن مجرد قطعة لحم.

رفع عينه نحو المنظار، وها هو...
يمشي في الثلج ببطء، بثقة، كأن الرصاص لا يعنيه، وكأن هذه الأرض لا تجرؤ أن تبتلعه.
رافــيــان.

كانا إخوة ذات زمن.
ضحكا، فرحا، لعبا سويًا.
والآن؟ كل ما تبقى بينهما... طلقة.

توقف رافيان قرب سيارته السوداء المصفّحة، نظر إلى المبنى المتهالك، كأن عينيه تخترقان الحطام.
ثم ابتسم.

ابتسامة شيطانية... باردة... وكأنها تقول: أهذا كل ما تبقّى منك يا مالك؟

ثم قال بصوت حاد، اخترق المسافة:
«مـــالك!!».

صرخة لم تكن نداء... بل تحدٍ.
كأنها بصقة في وجه الذكرى.

أخرج مسدسه، ببطء متعمّد، ورفعه دون رجفة.

لم يتحرّك المعني.
لم يَردّ، لم يتنفس حتى.
كل شيء فيه قال: سأقتلك.

رغم أنه يعرف، لو لم يُقتَل فسيسجن، لكن كما يقولون آن أوان النهاية.

أصابع الريح كانت تعبث بشعره، لكنها لم تُزِغ البصر عن الهدف.

أطلق الاثنان.

صوت الطلقات شقّ الفراغ، كأن الرعد صرخ بين الجدران.
اهتزت النافذة، تقوّست الأخشاب، وتراخت الجدران العجوز.

ثم عمّ صمتٌ ثقيل...
كأن سيبيريا نفسها أغمضت عينيها.

ـــــــــــــــــــــــ

فتحت مالا عينيها بتعب بعدما انهارت من البكاء، شيء في داخلها ارتجف، وصوت ماتياس يتردد في رأسها كخناجر الذنب.

رفعت جسمها قليلا وأنزلت قدميها من السرير، الغرفة كانت دافئة بشكل مريح، رائحة اللافندر تفوح فيها.

زفرت بضيق حابسة شعور الاختناق في جوفها، ركزت بصرها على ضوء السهارة الصغيرة التي تنير الغرفة.

شؤم الثامنة عشر. قصص لتهوسّ بها. اكتشف الآن