بخطواتٍ تائهة وعقل مغيب سارت شارلوت تحت الرذاذ غير مبالية، والنظرة الباهتة التي استولت على مقلتيها عكست حجم الفوضى التي تعيشها في الداخل، يبدو الاهتمام بصحتها آخر شيء قد يطرق ذهنها الآن، فلا وجود لمكان إضافي في ظل تلك الأفكار المتضاربة والمتزاحمة .
ورغم أنها جهلت إلى أين تذهب، فقد وجدت نفسها في النهاية أمام حجرة نولان، ولم تردد ولو لثانية في أن تدفع الباب وتدلف إلى الداخل مع هالة تعيسة، وهيئة ذابلة تثير الفضول .
هذا الأخير كان يستلقي على بطنه وتعابير الارهاق عادت تكسو وجهه، وذلك ما زاد قطر الفجوة المظلمة في خافقها، تشك في أن أي سبب بسيط سوف يساهم في جرّ معنوياتها نحو الحضيض الأسود .
لقد كانت مبتلةً بالكامل، ولكنها لم تشعر بالبرد مع ذلك، والسبب ربما رجع إلى كون تركيزها منصب على ما عرفته من حقائق مرّة .
تنهدت في ضيق، ونزعت القلنسوة من على رأسها، وقد كانت ممتنة لأنها حجبت شيئا من ملامحها الضائعة .
من يراها يعتقد أنها جثة تتحرك دون روح، والأمر كان كذلك من زاوية ما، لاسيما حين سقطت يدها بهدوء مخيف وراحت تفتح العقدة الملتفة حول عنقها، نزعت رداءها والهواء البارد وجدها فرصة مثالية حتى يهاجم جسدها بوحشية .. ومع جميع هذه الافعال كانت ما تزال تظهر كالدمية الثابتة !
استلقت على بطن الحصان، وهنا فقط اكتسحتها لحظة إحساس بفعل الدفء الذي تسلل منه، والاطمئنان تمازج معه فكان الخليط لطيفا، ولسبب غير معلوم لم تستطع التفريط في رداءها وأحكمت احتضانه، هل كانت في حاجة إلى حضن دافئ وكان هذا البديل مرضيا ؟
من المحتمل أنه كان تصرفا عفويا بفعل عقلها الذي ما زال مبرمجا على محادثة هذا الصباح، تلك التي سكبت الحنضل في بلعومها مرارا وتكرارا مع كميات هائلة، ليس وكأن توقع تلك الحقيقة كان مستحيلا، ولكن الواقع والافتراض مختلفان تماما، الواقع يفيض صدقا والافتراض مجرد خيال بائس ! لطالما اعتقدت أن الدوق له يد في ما حدث، ولعل ما استدلت عليه كان كلام كارولين التي ألقت به في وجهه دون خوف .
أحاسيس سلبية كانت تتنامى في أغوارها، وكلما تذكرت العبارة القاسية التي أماطت اللثام عن الحقيقة شعرت بالسوء أكثر وأكثر، كل شيء يشير إلى أن والدها مجرد مظلوم تم استغلاله وقتله عبثا، ويا لها من حقيقة بشعة !
ضمّت رداءها المبلل إلى صدرها، وواصلت تعذيب نفسها والغرق في مجريات ما حدث صباحا، وفي مرحلة ما شعرت بالفخر لأنها تماسكت وناضلت ضد العبرة التي توسطت حلقها ومنحته ألما رهيبا لا يطاق .
أنت تقرأ
قبل ميعاد النضوج || Before The Maturity Date
Tarihi Kurguتتراءى لي تلك الذكريات البشعة نصب عيناي، وتصبح بمثابة حطب يزيد من اشتعال النار المتأجِّجة في أعماقي . هنا أين يمنح قلبي صبغة سوداء جرّاء لون دخانها القاتم، ومشاعري الدافئة التي تقبع في داخلي تغدو رمادًا تتناقله الرياح مع ذكر اسمه . نعم هذه أنا ..! م...