قبو مضلم أبى النور أن يطعنه.... وتلك الأنفاس الضحلة زادت من ارتعاشه..... هزها مرة وثانية وثالثة لكن بلا جدوى...
رفعت يدها المرتعشة ومررتها على خد ذاك الطفل الذي ذاق الأمرين.... فقط ليخلق منه أبوه شيطانا على هيئة بشر أراد خلق وحش وهاقط أفلح
فهاهي ذي أمه ترقد بجانبه في القبو المضلم و قد أرهق السل روحها قبل بدنها..... نزلت دمعة متقدة من عينيها وابتسمت له رغم ألمها
مررت يدها بصعوبة بين خصلات ذاك الطفل الذي لم يتجاوز السابعة من عمره..... الا انه هنا قابع يرتعد رعبا ليس خوفا من الضرب أو غضب أبيه فقد عاشه حتى صار بمثابة روتين يومي ولكن..... بسبب خوفه من فقدان الشخص الوحيد الذي حضنه وقت وحدته
كان ببساطة خائفا من فقد ذاك الحضن الدافئ... صحيح أنه لم يحمه من جبروت والده السكير المشعوذ.... الا انه كان حصنا صد عنه آلام لا تليق بأن تطأ طفولته
مررت يدها بين تلك الخصلات السوداء والتي كانت دوما ما تذكرها بقطع الفحم التي تنتضر شرارة لتشتعل.... هي تؤمن بأن ابنها يحتاج فقط فرصة ليتألق ببهاء كتلك النيران التي تدفؤ جسديهما المرتعشين في الأيام المثلجة
لطالما رددت له تلك الكلمات وهمست بها قبل النوم كترنيمة توقد في قلبه شرارة من الحب والأمان... لربما كمحاولة بائسة منها أن تمقذه من هذا المستنقع الذي يسحبها ويجعلها تغرق أكثر فأكثر
هي تعترف أنها لم ترده.... عندما أدركت أنها حامل بابن سيفار زوجها الساحر المتسلط.... أرادت أن تنهي حياتها هي والطفل... لم ترد لابنها ان يعيش في الجحيم الذي تجرعت منه حد الثمالة.... لربما وقوفها فوق سور الشرفة كان محاولة مستميتة لتهرب.... أو كان مجرد حجة لتزيل عن قلبها عبئ ذنب سرقة روح بريئة لم ترى النور حتى
لكن حتى لو عاش فهو لن يعيش كأقرانه هي توقن أن زوجها وحش وسيجعل ابنها شيطانا بشريا.... هي فقط كانت أضعف من أن تنهي حياتها لربما كان الخوف من الموت... او من ذاك الوحش الذي تدعوه زوجها
كل ماتتذكره أنها دخلت واغلقت باب الشرفة وبكت بحرقة.... بكت كما لم تفعل قبلا هذه المرة ليس بسبب تعنيف زوجها لها بل لأنها تدرك أنها ستتقاسم العذاب مع تلك البذرة التي تنمو في رحمها
نزلت دمعه دافئة على وجهها وما كانت سوى من حدقتي ملاكها الصغير ؛ مدت يدها التي ازدادت برودة فلا تفرق بينها وبين يدي الجثث ؛ مسحت تلك الجمرات الطاهرة لا تدرك أنها بهذه الحركة جعلت ذاك السد الذي حاول الاخر كبته ينهار
انهمرت تلك الدموع لتلطخ خديه ؛ تعالت شهقاته وارتعش جسده ابتسمت أمه بدفئ تحاول طمأنته ؛ على الأقل ابنها توقف عن المكابرة وبكى كالطفل الذي يفترض أن يكونه
لم تكن تعلم أن هذه الليلة ستكون اخر مرة يبكي فيها ؛ لم تكن تعلم أنه سيختم على مشاعرة ويغلق دهاليز قلبه بأصفاد وسلاسل تأبى أن تفتح
فتح باب القبو بعنف وارتطم...
ارتعش الطفل ليس خوفا على نفسه بل على امه التي لم تعد تقوى ضرب ذاك الوحش الآدمي ؛ ارتمى بجسده الصغير وحضنها لينهال عليه ذاك المسخ سيفار بالسوط حتى يدمى ضهره
تهزه وتهمس وهي تحاول ايجاد كلماتها ؛ بين نوبة السعال التي اجتاحتها كونها مريضة سل في المقام الاول وبقائها في القبو ذو الهواء الملوث لم يقصر في زيادة حالتها سوءا
"دانيال صغيري ابتعد ستتأذى ألم تقل لك ماما أنها ستحميك "
هز رأسه وانهمرت على خديه دموع صامتة ؛ ليس ألما فقد أقسم ألا يبكي بسبب من يزعم أنه أبوه في حين أنه لم يضهر لهما سوى العنف والرعب ؛ هو بكى خوفا على أمه التي تصارع الموت
رغم صغر سنه إلا أنه يعلم أن الأفضل لها أن تموت وترتاح لكن.... هو أناني
هو أناني لدرجة أنه يخشى أن يبقى وحيدا بعد موتها ؛ قد تكون هذه أمنية أو مطلبا بريئا لطفل في مثل سنه لكنه عاش في الجحيم لدرجة أنه أيقن أن الموت هو الملاذ
رمى ذاك الثور المسعور الصُوت الجلدي جانبا وركع على ركبتيه سحبه من رقبته بعنف وعلقه في الجدار وابتسم بنشوة وهو يرى ذاك الطفل ينظر له بأعين حاقدة
اتسعت ابتسامته فأخيرا كل ما أجراه على ابنه من تجارب وعقوبات نجحت في صنع هذا الشيطان الصغير ؛ كان دانيال ينظر لأبيه أو لذاك الوحش فليس كل أب يستحق
كان يرمقه بل يخترقه بنظراته نظرات وكأنه يريد قتله ؛ هو الان يريد نحر عنقه وجعله يتخبط ببركة من دم لكن ليس ببساطة لن يموت ببساطة ليس بعد ما فعله بأمه وبه
سعلت تلك المتألمة دما استقامة في جلستها وترجت ذاك الوحش الذي يفترض أن يكون زوجها ؛ جاهدت كي تنطق تلك الكلمات المتوسلة فهذا أقصى ما تفعله امرأة تحتضر وهي ترى فلة كبدها تخنق من قبل ذاك الشيطان
"أرجوك يا سيفار لا تقتله اقتلني أنا لكن أترك إبني يعيش "
ابتسم بإنتشاء وأخيرا حقق مراده كان يدفعهما ليتمنيا الموت وهاهو ذا سيمنحه لها فقد عانت طويلا ؛ أفلت عنقه وتركه يتخبط في الأض وهو يحاول أن يملأ رئتيه بالهواء
أخرج خنجرا مزخرفا وناوله لذاك الذي يلتقط أنفاسه بصعوبه
"إقتلها وعش"
اتسعت عيناه بصدمة وهز رأسه بأنين طفولي بحقكم هو طفل في السابعة فقط وتريدونه أن يقتل أمه كي يعيش
.
.
.
.
يتبع
(الفصل عبارة عن ذكريات دانيال )
أنت تقرأ
~لَعٌنِةّ آلَغُآجّ~
خيال (فانتازيا)تسأل نفسها ماذنب ذاك الذي ولد منبوذا لما كتب عليها الفناء ليعيش الغير....لما عليها الإطفاء ليشتعل الغير ... لما عليها الإحتراق ليبصر الغير.... فمابال الدنيا تطعنها كلما حاولت النهوض .... فمابال تلك الروح تتآكل ... فمابال الحياة وهي تسلب أغلى ماتم...
