p39

12 1 1
                                        

تعالت دقات قلبها لتطغى على باقي الأصوات، شعرت وكأنها داخل فوهة تأبى أن تخرج منها. أغمضت عينيها وضربت براحتي يديها ساقيها بهستيرية، لكن بلا جدوى.

فها هي ذي تتصنّم رعبًا، وها هي السماء تذرف مطرًا وكأنها بذلك تعلن حدادها على أرواح من يستعد ذاك الجبل لاستقبال جثثهم وجعلها جزءًا منه، جزءًا سيختفي في غياهب النسيان.

وفي هذه اللحظة فقط، قطعت وعدًا على ذاتها، وعدًا جعلها تمشي على خيط رفيع بين الحياة والموت.

ها هي ذي تذرف تلك الدموع الصامتة وتُقسم... هي تُقسم أنها ستخرج من هنا حية لتحكي للناس عنهم، عن معاناتهم، عن عذابهم، وعن جنون غيس وأعوانها.

تُقسم بكل ذرة من كيانها أنها ستخرج من هنا وهي تتنفس فقط... لتحكي للعالم عن مدى حقارة ماضيهم، ورعب حاضرهم، وجبروت مستقبلهم، ذاك المستقبل الذي غدا بمثابة مهرّج في سيرك مهجور، أو كقارئة الفنجان وهي تنتظر من يدفع لتبدأ بحفلة ترهاتها المصطنعة.

رفرفة تلك الأجنحة التي تخترق الهواء كحد السيف جعلتها تفيق من لحظة شرودها تلك. تعالت دقات قلبها لتضخ الأدرينالين في كل خلية من خلايا جسدها.

استدارت لتقابل خضراوتيها ذاك التنين الضخم الذي يغلق الفوهة. هنا فقط أدركت أنها أضاعت آخر فرصة للهرب. هي إما ستموت هنا لتغدو بمثابة رقم دُفن ونُسي، أو ستنجو لتنضم إلى فيلق كانت غايته السامية خلق خلية ضخمة متماسكة، خلية أشبه في إتقانها بخلايا النحل، وبزعامة ذاك الشيطان.

فكّت تلك العقدة بيدها اليسرى وشدّت بقبضتها على ذاك القوس الخشبي وكأنه آخر أمل لها.

حدقتاها، اللتان كانتا أشبه بأشجار غابة خيزران تتمايل مع رياح الخوف والقلق، صارتا الآن ثابتتين. تكاد تجزم بوجود عاصفة هوجاء منبتها ذاك القلب القلق، وإعصارها تلك العيون الحادة.

عضّت شفتها السفلى، ومرّرت حدقتيها في أرجاء الكهف الضيق. ها هي ذي محاصرة بين تنين أمامها وآخر يسدّ المخرج الوحيد.

نضمت نبضات قلبها، وما هي إلا ثوان حتى كانت تركض في اتجاه عشّ البيوض. دوت تلك الصرخة الحادة، مما جعلها تغلق أذنيها بانزعاج.

بئسًا!

هي تُقسم أنها ستفقد حاسة السمع لو بقيت هنا أكثر. أخرجت سهمًا وأطلقته ليلتصق بظهر ذاك التنين، فصرخ الآخر ألمًا وحرك ذيله في محاولة يائسة لإبعاد السهم، وهنا صنعت ثغرة.

فها هي ذي تنطلق مهرولة لتمر من تحتهم، اختبأت خلف إحدى البيوض والتقطت أنفاسها. وكما توقعت، تصرفها الأرعن لم يزد الوضع سوى سوءًا.

ضرب ذاك التنين الذكر بجناحيه بقوة وهو يحاول الدخول. تحركت بسرعة، نزعت سترتها ولفّتها حول إحدى البيوض، ربطتها في ظهرها وتأكدت من إحكام العقدة، ثم تنفست بعمق.

ابتسمت، تحاول بذلك زرع أمل ولو ضئيل في وجدانها. تساقطت قطرات العرق على جبينها، وما زادها تبلّل ثيابها سابقًا سوى ثِقلاً.

عضّت شفتها السفلى، وطقطقت أصابع يدها اليسرى وكأنها بذلك تحاول إفراغ القلق الذي يعتريها.

شدّت قبضتها على القوس في يدها. ها هي ذي الآن محاصرة في كهف بلا مخرج، معدات التسلق تركتها مرمية عند المدخل، وهنا فقط لعنت نفسها مليون مرة لغبائها.

هي متأكدة أنها على ارتفاع عالٍ لا يمكنها عبوره إلا بالتسلق أو...

ارتسمت على ثغرها تلك الابتسامة المجنونة. ركضت، فتحت ثغرها وأطلقت صفيرًا حادًا حوّل انتباه التنين الأنثى من السهم في ظهرها إليها، أما الآخر فزاد هيجانًا وتعالت صرخاته لتتنافس مع علو صوت البرق الذي زين السماء تلك الليلة.

ركض ذاك التنين بهمجية نحوها. وقفت وأمالت جذعها قليلًا وكأنها تروض ثورًا هائجًا.

"تريد طفلك؟ تعال وخذه!"

استدارت وركضت باتجاه المخرج، نظرت خلفها وتأكدت من أنه يتبعها. اتسعت ابتسامتها، أغمضت عينيها ورمت نفسها، لتهرب من ثغرها تلك الضحكة المستمتعة.

لمحت بطرف عينها ارتطام التنين الأم بذاك الآخر الذي يحرس المدخل. أدارت البيضة لتجعلها مربوطة باتجاه بطنها، وتعالت ضحكاتها المتحمسة.

صفّرت الرياح في أذنيها وكأنها تحكي لها عما لا يجب أن تبوح به، واستدمت قطرات المطر بوجهها لتكون أشبه بلمسات ناعمة في يوم موحش.

أغمضت عينيها مع اقترابها من سطح الأرض، وبدأ العد التنازلي لموتها. ستنفجر جمجمتها وتموت، لكن على الأقل حاولت. رسمت تلك الابتسامة على ثغرها.

"3... 2... 1..."

اصطدمت بقوة، لم تشعر بشيء، فتحت عينيها بتررد.

"هل متّ بسرعة؟"

ضرب آرون رأسها بقوة ورمقها بتلك الأعين القلقة، أعين أخفت قلقًا جمًّا وكلمات عتاب أبت أن تتلى.

"حمقاء متهورة! في ماذا كنتِ تفكرين؟ ماذا لو لم أحضر؟ ماذا لو متِّ؟"

استقامت في جلستها وتحسست براحتي يديها تلك الأرض الخشنة التي تجلس فوقها، فركت عينها وأدركت أنهما الآن فوق ظهر تنين.

فتحت ثغرها بدهشة ووقفت، تاركة الهواء يداعب خصل شعرها المبللة، مبدية عدم اهتمامها لشكاوي ذاك الأشقر المعتادة.

"لكني لم أمت."

وهكذا، وبلا مبالاة، ردت عليه وكأنها تسكب ماءً باردًا فوق نار القلق التي تحرقه.

~لَعٌنِةّ آلَغُآجّ~حيث تعيش القصص. اكتشف الآن