p37

12 3 1
                                        

"خُلِقَ في تلك الأرضِ الجرداءِ بذرةُ حقدٍ أبت أن تُسقى بغيرِ الدمِ، لتنبتَ شجرةً سوداءَ متآكلةً، تفرّعت جذورُها في أرضٍ تُدعى اليومَ بالنفسِ البشريةِ."

.
.
.
.
.
.

أخذت نفسًا، ثم رسمت تلك الابتسامة المتحدية على ثغرها، تحققت من إحكام المعدات حول خصرها، ورفعت رأسها باتجاه من تعتليه ملامح الاستمتاع، وضيقّت حاجبيها بتركيز.

"ولأني أشفق عليكم، سأمنحكم قوسًا وثلاثة أسهم."

اتسعت ابتسامته وهو يحدّق في تلك العنيدة، التي تحولت معالمها المتحمسة إلى دهشة وغضب.

ثلاثة أسهم لا غير... هو إما يختبر صبرهم أو يلعب بأعصابهم. لكنها سرعان ما ارتدت قناع اللامبالاة، تاركةً إياه يتخبط في غروره.

ناولها "أرون" القوس الذي لفته حول خصرها، وثبتت العقدة بإحكام، لتفعل المثل مع تلك المحفظة الجلدية التي تحتوي الأسهم.

"عندما توضعون في قعر الخطر، قد لا تجدون سلاحًا، وهذه الأسهم محض رخاء وكرم منا."

تكلم ذاك الراهب الكاثوليكي وهو يجذب الأنظار نحوه، لتجد تلك الابتسامة المتعالية مكانًا على تقاسيم وجهه التي شربت من الحياة لبّها.

فها هو ذا، رغم ارتدائه لعباءة الدين، إلا أنه ليس سوى محض مقلّد متقمص للدور، مبررًا أفعاله بغشاوة معتقداتهم.

ها هو ذا يعطيهم تلك النظرة المتعالية، وكأنه بهذا ينعتهم بعديمي القيمة. ها هو ذا من يدعو في الناس جهرًا، ويردد أن الناس سواء في نفس الكفة.

يرمقهم بتلك النظرات التي تحكي ما يخفيه قناع رجل الدين: سكان قرى نائية، لستم سوى قرابين، ضعفاء ينقادون خلف عواطفهم، منبوذون، لم يُقدَّر لهم أن يتم اختيارهم من قبل أنذل شيطان، فما بالك أشرفهم.

استند على كتفه ذو الشعر الناري، ووزّع تلك الابتسامة الغثيثة التي يتقنها، وكأنه بهذا يلطف الأجواء.

"حظًا موفقًا، وعودوا أحياء."

نطق كلماته وهو يرمق تلك العنيدة بنظرات مبهمة، وكأنه يوجه هذا الكلام لها من بين الجميع.

تقابلت أعينهما للحظات، كانت كافية لتبادل رسائل صامتة: عناد، وجبروت، وغرور، وتملق.

حوّلت نظرها إلى سفح الجبل، وخطت أول خطوات لها في اتجاه اللعبة التي ستحدد مصيرها، متخلية بذلك عن آخر خيط أمل يربطها بالرغبة في البقاء، موقنة — بل متأكدة — أن نجاتها ستكون عندما تفتح حضنها للموت، فوقتها فقط سيتخلى عنها بصدر رحب.

وضع أشقر الشعر إصبعيه السبابة والإبهام قرب فمه، وأطلق صفيرًا حادًا جاذبًا انتباه تلك العنيدة.

استدارت لتلمحه وهو يقترب منها حاملًا خوذة في يده اليسرى.

"ارتديها بحقك، ماذا لو سقطتِ وفقدتِ ذاكرتك ونسيتِني؟"

وضع يده على صدره بدرامية، لتطلق الأخرى ضحكة صادقة بعيدة عن ذاك القناع الذي أبت إزالته، فور أن تسرب دم أمها اللزج ليغطي الأرضية.

سعادتها توقفت عندما حدقت بها تلك العينان الجاحظتان، اللتان ترويان أطنانًا من الألم، وذاك الدم المتجمد بجانب ثغرها ما زاد تلك الحنطية سوى صدمةً ورعبًا.

وخلق في تلك الأرض الجرداء بذرة حقد أبت أن تُسقى بغير الدم، لتنبت شجرة سوداء متآكلة، تفرعت جذورها في أرض تُدعى اليوم بالنفس البشرية.

هزت رأسها، تنفض تلك الأفكار عنها، أخذت منه الخوذة وأحكمت وضعها، لتسير بخطوات ثابتة في اتجاه الجبل، متحدية بذلك الخوف الذي انحنى أمام عزيمتها.

لتكون بمثابة حافز جعل الباقين يتبعونها، منحها "أرون" ابتسامة مطمئنة.

رفعت رأسها لقمة الجبل، مركزة على صوت الرياح الأشبه بعويل الذئاب الجائعة، تتسلل بين الشقوق لترسم بريشتها برودة حول أجسادهم.

تعالى صوت الصواعق، معلنًا عن اقتراب المطر، وتجمهرت الغيوم تخفي معالم الجبل كستارة تأبى أن تبوح بما يقبع خلفها.

غرست أول خطاف معدني في شق ضيق بالصخر، رمت عليه ثقلها لتتأكد من إحكامه، أغمضت عينيها تصفي ذهنها، نظرت إلى "أرون" الذي باشر في التسلق قبلها، لترتسم تلك الابتسامة على ثغرها.

وضعت راحة يدها اليمنى تتأكد من قدرة التربة على تحمل ثقلها، أخذت نفسًا ثم أسندت قدمها اليمنى على صخرة شبه متينة، يليها يدها اليسرى.

تسلقته ببطء، مدركة أن أي حركة خاطئة ستقربها من حتفها.

واصلت على هذا المنوال، حتى تبين لها نتوء أو أشبه ما يكون بكهف في منتصفه، كهف أبت السحب الانقشاع عنه، وكأنها بهذا تحذرها من الاقتراب، لكنها فعلت.

تجمعت الغيوم لتفيض مطرًا، وزاد صوت الرعد ليكون بمثابة صفير حاد يخترق الروح قبل الجسد.

سارعت من وتيرتها، وها هي ذي قدمها تنزلق بسبب المطر، الذي لم يبخل بجعل الطريق أصعب.

تشبثت براحتي يديها في الحبل، مغمضةً عينيها، أخذت نفسًا ثم واصلت التسلق.

شغلت كشافًا صغيرًا يقبع في طرف الخوذة، ضيقت عينيها وقررت أن تتوقف عند الكهف ريثما ينقطع سيل المطر ذاك.

أرخَت قبضتها على الصخور وتشبتت بالحبل، واصلت الصعود قاصدةً تلك الفتحة المظلمة.

فور أن وصلت، فكت معداتها وتركتها أرضًا، لتسقط على ركبتيها تلتقط أنفاسها... ويا ليتها لم تفعل.

دوّى صوت زئير حاد جعلها تتجمد رعبًا، صوت يوحي بأنها اقتحمت مكانًا ما كان يجب أن تطأه.

.
.
.
.
.
.

«يتبع»

~لَعٌنِةّ آلَغُآجّ~حيث تعيش القصص. اكتشف الآن