p25

19 3 7
                                        

     أغمض عينيه لتفيض مطرا.... نظر لأمه التي أرهق السل بدنها وذاك الخنجر المزخرف يرتجف بين قبضة كفه الصغيرة

    تعالت شهقاته وندمه.... هو لا يريد اقتلاع روح أمه بيديه لكن هل منحه ذاك الشيطان خيارا.....

   نظر لمن يفترض أن يكون أباه إرتعشت شفتاه بأنين مكبوت..... رمقه بتوسل.... وقوبل بتلك الأعين التي لا تحوي سوى رغبة جمى في رؤية الدم ينساب أمامها

   نظرت له وابتسمت رغم عذابها..... استقامت وتربعت أمامه وهي لا تزال ترسم تلك البسمة القصرية على ثغرها وتناديه أن يحضنها....

  أسقط تلك الحديدة الصدئة و ارتمى في حضها كالطفل الذي هو عليه ارتجف ذاك الجسد النحيل بين أحضان تلك الأم التي تحتضر.... ضمته لصدرها وداعبت شعره بأناملها التي أبت أن تكون دافئة..... رغم برودة جسدها وحتى تلك الأطراف التي تحضنه تشبث بها.... هكذا كان الحضن بالنسبة له....

    "شششش.... "

  كانت تحاول مواساته كانت تحاول مواساة الشخص الذي سينتزع روحها الهشة من بين ضلوعها..... ضربه الادراك كسكين يتلوى وسط أحشائه.... فارق شفتيه لينطق لكن لم يهرب منهما سوى أنين خافت بدأ يتعالى معبرا عن كم الكرب الذي حملته تلك الروح الهشة

   كرب ما يليق أن يلقى على عاتق شخص بالغ فكيف لطفل لم يتجاوز ربيعه السابع.... قبض بتلك الأنامل على فستانها المتآكل لقدمه أبى تركه.... أبى ترك ذاك الأمان المؤقت

   تشبث بها حتى أدمت أنامله غرس رأسه في عنقها واستنشق عطر الياسمين الخافت المنبعث منها..... وكأنه بهذا يحفر ذكراها في دهاليز عقله الباطن لتغذي شوقه للحنان...

   طبطبت على ضهره وما زاد هذا سوى من انكساره.... كانت تمنحه الحب والأمان حتى وهي توقن أن حياتها ستقطف كزهرة ذابلة بين يدي ذاك البستاني الذي يزرع حديقة مالك الحانة....

   الحياة ساخرة.... فهاهي ذي بعد أن وهبته الحياة و حضنته في الليالي الباردة لتكون بمثابة دفئ لجسديهما المرتعش.... ستودع الحياة بين تلك الذراعين اللتان سبق وأن حضنتاها بخوف من ذاك الوحش الذي دمر حديقتهم المعلقة

لا زالت أحيانا تناجيها تلك الأفكار والأحلام الخرقاء... "ماذا لو لم يكن ذاك الوحش المدعو  بسيفار موجودا؟؟ " "ماذا لو استجمعت شجاعتها وهربت هي و ملاكها الصغير من بين براثنه؟؟ "

   لكنها في أعماقها تعلم أن هذا ليس خوفا... بل واقع... هي توقن أنه يستحيل أن تهرب من قدرها... وقدرها أن تموت هي ليعيش هو

   قربته من صدرها وهمست قرب أذنه
"دانيال.... صغيري ماما تحبك أنت تعلم هذا"

   رفع رأسه بتردد ونظر لها بتلك العينين الواسعتين اللتين تحملان من البراءة أطنانا.... طمرت على يدي ذاك العفريت.... نظر لها... بتردد.... وكأنه يسألها...

  " ماما هل هذا صحيح ماما أنا لست وحشا؟ "

   ارتسمت تلك الإبتسامة المتعبة على ثغرها وهي تمرر أناملها بين خصلات شعر طفلها التي ماكانت تفرق عن ضلمة الليل بإنش..... وللأسف ملاكها كان نسخة مصغرة عن ذاك الشيطان الذي يقف خلفهما و يبدي إنتشاءا بلحظة الوداع تلك بين الأم والإبن...

  أمسكت وجهه المدور وكأنه قرص قمر في ليلة صافية.... و نظرت لعينيه اللتان تشبهان النجوم  البراقة.... لم تدرك أن تلك النجوم ستصبح يوما ثقبا أسودا يبتلع من يطأها....

  "أنت لست وحشا... أنت ملاكي الصغير أنت لست خطيئة أنت سبب بقائي... أنت لست عذابا أنت سبب سعادتي.... أنت لم تكن ولن تكون عالة علي أنت نوري وسط البؤس الذي عشناه"

   ارتعشت شفته السفلى مهددة بدموع لم تذرف.... يقولون أن قلب الأم يتنبدأ بما تخفي دواخلنا وهي فعلت... لم يكن مضطرا لنطق مايفكر به لتدرك.... هي فقط تنظر لتلك النجمتين اللتان تنبضان أملا.... وستدرك..

  مسحت بأناملها المرتعشة تلك الدموع التي لطخت ذاك الخد.... قبلت جبينه وأبقت شفتيها المتشققتين بفعل المرض والنحافة لدقائق... ابتسمت بصدق ومدت يدها ملتقطة ذاك الخنجر الصدأ

   سحبت يده الصغيرة التي صارت أقسى بسبب ما فرض عليهما لعيشه من ذاك الدهر القاسي.... فتحتها ووضعت ذاد الخنجر بين راحتيها وأغلقت أصابعه حوله...

"إطعني... لتعيش... دانيال افعلها يا صغيري..."

    هز رأسه برفض وارتفع أنينه... هو لا يريد... بل لا يقوى على قتلها هي أمه... هي... هي سبب عيشه.... هي أمانه.... هي منارته عندما تضرب الأمواج قاربه الضال وسط البحر وتريد منه أن يقتلها.... تريده أن يسحب روحها بيديه... بتلك اليدين اللتان كانت تقبلهما.... بتلك اليدان اللتان كانتا تغرسان الزهور معها في حديقتهما وراء الفناء... تلك الحديقة التي دمرت عندما عرف سيفار بها...

  " دانيال ماما تتألم من المرض هل يمكنك أن تريحها.... أنت لا تقتل ماما أنت تنجو بنفسك"
سخر من يزعم أنه أبوه متقمصا تلك النبرة القلقة... وعندما أدركت تلك المكروبة أن إبنها... يا من يفترض أن يكون وحشا لا يقوى على طعنها.... أمسكت يده التي تحمل السكين وطعنت صدرها

   انفجر الدم على وجهه.... تجمد مكانه... تصلبت كل شعره في جسده الصغير.... اتسعت حدقتاه رعبا.... وأصبح تنفسه أثقل.... دارت به الدنيا... بل أطبقت حول عالمه الصغير

   آخر ما رآه كان جثتها الممددة أرضا وشفتاها اللتان ترتجفان في محاولات يائسة لتتكلم.... لكن بدل الحرف سالت الدماء من ثغرها.... تحركت شفتاها وكأنهما تشكلان جملة لا تتعدى الخمس كلمات....

"دانيال صغيري أنت لست وحشا "

  وآخر ما سمعه كانت ضحكة ذاك الشيطان وهو يجلس القرفصاء بجانب جسد أمه و يبتسم بإنتشاء

"زوجتي ذكية فضلت أن تعيش أنت بدلا منها. أتسائل كيف أدركت أنني كنت سأقتلك لو لم تمت هي لربما كانت زوجة مخلصة في النهاية "

  أضلمت الدنيا حوله وارتخى جسده الصغير ساقطا فوق جثة أمه التي فارقتها راوحها

  

  

  

~لَعٌنِةّ آلَغُآجّ~حيث تعيش القصص. اكتشف الآن