عضَّ شفته السفلى بغيظ، ونهض ليقف خلفها، وطوله يغلف قوامها الأصغر. كور قبضته وضرب رأسها.
"أنانية بحقك! لماذا تستمرين بالمقامرة بروحك؟"
ركلت ساقه وابتسمت وهي تقهقه فرحًا وتسلية، غير آبهة بسيل المطر الذي يغلفهما.
"لأنه عندما تسلِّم روحك لحاصد الأرواح، وقتها فقط سيرفضك."
أدخلت الهواء لصدرها وابتسمت، رافعة رأسها للسماء، تاركة تلك القطرات تغسل روحها وتنفض عنها ذاك التعب.
دلك جبينه بيده اليسرى، يحاول ضبط انفعاله.
بئسًا!
هي تجعله يشعر وكأنه جليسة أطفال. زفر واقترب من رأس التنين، ربت على قمته، ليشق ذاك التنين السماء ويلتف، جاعلًا الأخرى تتشبث بإحدى جناحيه في آخر لحظة، وهي تطلق تلك الضحكات المستمتعة.
"اجعله يلتف بنا!"
ابتسم ذو الشعر الأشقر، ربت على قمة رأس ذاك التنين، ومال باتجاهه وهمس وكأنه بذلك سيفهمه:
"لنجعلها تندم على طلبها يا لوكا."
أطلق ذاك التنين زئيرًا وكأنه بهذا يوافق على طلب ذاك المتهور، فانطلق بسرعة مخترقًا السماء كرصاصة ثائرة، ليتوسط ظل القمر تلك الليلة. تصفر الرياح بحدة في أذنيها، وتتوالى ضحكاتها المستمتعة، وتستدم تلك القطرات بوجهها وكأنها إبر تنشر برودة في أعقابها.
ينظر لها من فوق كتفيه ويبتسم، وها قد حان وقت عرض الختام. يلتف دورة كاملة في الجو، ثم يسقط كقذيفة، تتعالى صرخاتها، وها هي ذي تقترب من الأرض للمرة الثانية. هي تقسم أنها تشعر بقلبها وهو يُنتشل من بين ضلوعها، لكن... تبا! هي تعشق هذا، تعشق هذه الإثارة وكأنها تستنشق الهواء بعد الغرق.
هي مجنونة، وتقرّ بهذا، إلا أنها لا تنوي الموت الآن، ليس قبل أن تفعل ما هو أكثر جنونًا، ككسر أنف ذاك المتعجرف دانيال.
ابتسمت لنفسها وألقت بنفسها على ظهر ذاك الكائن. وها هو ذا يهبط أرضًا، ويقف ذاك الأشقر بجانب رأسها، وتلك النظرة المعاتبة على ثغره.
هو حقًا لن يخلع قناع التجهم هذا قبل أن تعتذر له وتعده أنها ستكون حذرة، وطبعًا ستخلف هذا الوعد كعادتها.
أدارت وجهها في الاتجاه المعاكس، متجاهلة تلك النظرات التي جعلتها تشعر بتأنيب ضمير، ذاك الضمير الذي سرعان ما عاد لسباته.
"لن أعتذر، لذا توقف عن النظر لي هكذا، تجعلني أشعر وكأني مذنبة."
"وأنت كذلك."
قلبت عينيها بملل، ها قد بدأ، وهي حتمًا ليست في مزاج يسمح لها بتحمل محاضراته المملة. هي حتمًا تظنه أحيانًا عجوزًا بوجه شاب. مسكينة من سترتبط به، لكنها ليست بمدى نحس من ستكون حبيبة لدانيال سيفار.
تبا! لماذا تستمر بالتفكير به؟ بتلك النظرات الناعسة وتلك الخصل السوداء الفوضوية... لكنها تقسم أن هناك هالة تلتف حوله، هالة أشبه ما تكون لرائحة الموت.
سواد عينيه وبروده ذاك، وخصوصًا تلك اللوحة الزيتية على مكتبه... هي موقنة، بل متأكدة أن وراءها سرًّا يجعلها تريد الغوص فيه، سرًّا توقن أنه سيكون بحلكة سوداويته، سرًّا عزم على إخفائه وراء حدقتيه، ليغدو في النهاية بمثابة قطعة ضائعة من ثقب أسود.
"أين بيضة التنين التي كانت معك؟"
رمشت عدة مرات، تستوعب أنها غرقت في أفكارها مجددًا، وأنها أضاعت البيضة التي كادت تفقد حياتها بسببها.
استقامت في جلستها ونزلت من على متن التنين، ركضت في الأرجاء بهستيرية وهي تلعن تحت أنفاسها.
هربت ضحكة مستمتعة من ثغره وهو يراقبها، ما جعلها تضم حاجبيها بغضب وتلعنه تحت أنفاسها.
"بحقك، أرون، تعال وابحث معي."
"لا."
"لكن—" حاولت أن تعترض، وكما هو متوقع قوبلت بالرفض.
"سأردها لك، أقسم."
اتسعت ابتسامته المرحبة: "أمامك خمس دقائق قبل أن أغادر وأتركك هنا لتتعفني. وقتها سنرى إن كانت نظريتك عن أن الموت لن يأخذك صحيحة أم لا."
فتحت ثغرها بدهشة، هي حتمًا ليست معتادة على هذه النسخة منه، أقصد أرون الغاضب ذاك طبيعي، وحتى من يسبها أو يمتنع عن الكلام معها، لكن لم يتركها من قبل لتموت.
وضعت يديها على خصرها، رفعت رأسها، أغمضت عينيها وتأففت، ثم فتحت حدقتيها لتلمح شيئًا أسود صغيرًا فوق عرف الشجرة.
وها هو ذا فضولها، أو عادتها في فقدان التركيز، ينسيها موضوع البيضة مجددًا.
تسلقت الشجرة وهي تدندن بحماسة، وفور أن مدّت يدها لتلتقط ذاك الكائن، فإذا به يعضها.
دوت صرختها، جاعلة الآخر ينفجر ضحكًا. رمقته بتلك النظرة التهديدية وواصلت التسلق، وها هي ذي واقفة أمام تنين فقس للتو.
رمشت عدة مرات ليفعل المثل، قابلت تلك الأعين الصفراء عينيها الخضراوين بفضول. كان أسود اللون وكأنه قطعة ضائعة من سديم نجمي، بنفس لون شعرها وكأنه خلق ليكون لها.
"سأسميك لو."
أمال رأسه وكأنه بهذا يختبر وقع الاسم عليه.
"سأعتبر هذا موافقة."
.
.
.
.
.
«يتبع»
أنت تقرأ
~لَعٌنِةّ آلَغُآجّ~
خيال (فانتازيا)تسأل نفسها ماذنب ذاك الذي ولد منبوذا لما كتب عليها الفناء ليعيش الغير....لما عليها الإطفاء ليشتعل الغير ... لما عليها الإحتراق ليبصر الغير.... فمابال الدنيا تطعنها كلما حاولت النهوض .... فمابال تلك الروح تتآكل ... فمابال الحياة وهي تسلب أغلى ماتم...
