p46

12 2 0
                                        

قبو معتم زُيّنت رموز الصليب جدرانه، وعلى أحدها تمثال لملاك باكٍ فوق ما يشبه التابوت الحجري.
أغنية كلاسيكية كتلك التي تُعرض في الكنائس مصدرها ذاك الراهب الشاب الذي يعزف على بيانو خشبي قديم.

في الجدار الأيمن تموضعت منحوتات فخارية وكؤوس نبيذ زجاجية، وكانت الإضاءة سببها تلك الشموع المعدودة.

شموع بيضاء زُيّنت بها الجدران، وأمام ذاك المأسور طاولة خشبية مطلية بالأسود. فوقها فُتح كتاب الإنجيل في صفحة معينة، وبجانبه سكين صفراء ذهبية، وسبع شموع بيضاء عطرية.

أمسك القداحة وأشعلها بالتتالي ليتطوع النور كاشفًا عن ذاك الأسير الجريح. وعلى الجدارية كان ذاك الشيطان الأسير مُكبّلًا من رسغيه بسلاسل منقوش عليها ما يشبه طلاسم أو كلمات يهودية.

تقدّم الراهب الجموع ووقف أمام الطاولة وشرع في التمتمة. وخلفه أخذ كل راهب موضعه مشكّلين بذلك سبع مجموعات من شخصين:
أحدهما كان يحمل صليبًا بيده، والآخر كان يمسك بالإنجيل. واحد كان يعلن وفاءه، والآخر كان يرتّل مع من يُفترض أنه معلّمه. وبصوت واحد تعالت الهمسات:

"أؤمن بك، أؤمن بك!"

وبقلب واحد تعالت التراتيل، وبنفس الوتيرة رتّلوا تلك الصفحات لتختلط مع لحن البيانو، مخفية باقي الأصوات.

صرخة ألم هربت من ثغره مع إطفاء الراهب لأول شمعة، وهنا تعالت الهمهمات بصوت واحد:

"من خدم نسل هوذة فاجر!"
"من دعم الفجور يستحق العذاب!"
"وما كان للعبد سوى أن يُلقى في الجحيم مع مرؤوسه!!!!!"

وبأنامل ذاك العجوز أطفأ ثاني شمعة. دوت صرخة عذاب وكأن مصدرها قعر الجحيم، وانكسرت القطع الفخارية وكؤوس مشروباتهم الروحية.

لمحتُ أحدهم يتحرك وبيده سلسال صليب منحوت من الخشب بعناية. تقدّمتُ منه وأعطيته تلك الابتسامة المطمئنة وأنا أتظاهر بالتدين.

"دعني أوصله عوضًا عنك."

ناوله لي دون نقاش وعاد لمجموعته متمّمًا طقوسه. تقدمتُ للأمام وأنا أغطي بقلنسوتي ملامحي، وبطرف عيني لمحته، وكان حدسي في محله.

كان ذاك الراهب العجوز نفسه… كان نفس ذاك النذل الوضيع.

أنزلتُ رأسي وسرت أمامه وأنا أتظاهر بالترتيل. ملتُ باتجاه الطاولة الخشبية وعليها وضعتُ سلسال الصليب بعناية، ودون أن يلحظ سحبتُ ذاك السكين وأخفيته في طرف كمي.

حنيتُ رأسي باحترام، وأنا أختفي من أمامه، معطية بذلك نير نظرة مطمئِنة. التففتُ خلفه ووضعت السكين على رقبته، ومن ياقته سحبته للخلف وهمستُ بصوت يحمل أطنانًا من الغل:

"فكّ أغلاله."

ملامحه كانت جامدة، أبت الدهشة أن تطأها. سرعان ما غلبت عليها ابتسامة مستهزئة. سكنت التمتمات وتحولت الأنظار نحونا، لكن ليس بحركة دفاعية، وإنما ظلّوا صافنين وكأن هذا جزء من العرض.

"أتيتِ أخيرًا يا نذير الشؤم."

ضغطتُ بالسكين أكثر، تاركة الدم ينزل ملطخًا عباءته البيضاء تلك وأطراف لحيته النامية. اتسعت ابتسامته الساخرة، وهنا أتى صوت نير لينفض الغبار عن كومة الأسئلة المتراكمة:

"بمحاولاتك هذه غصتِ أكثر في مستنقع الوحل الذي يسحبك يا أَجوان."

عضضتُ شفتي السفلى وأنا أكبت غيظي، وبضيق أجبت:

"ألا يمكنك أن تشكرني على مجيئي يا ناكر الجميل؟"

انطلقت ضحكة خشنة من ثغر ذاك العجوز يليها سعال إثر تضييقي الخناق عليه، وهنا تكلم بصوت أجش يحمل في طياته أطنانًا من الغموض:

"مجيئك كان مخططًا. دخولك للقاعة كان محسوبًا، ورؤيتك للجدارية كان مقدرًا."

ابتلعتُ ريقي في محاولة لترطيب حلقي، وضغطتُ بالسكين أكثر وأنا أحاول إيهام نفسي أنها مجرد تراهات عجوز يخرف.

"اقتليني، فالخطيئة تسري في دمك. اقتليني… واشعري بالنشوة!"

وبنبرة تنمّ عن الجنون تكلم، وبأعين اتسعت حماسًا تحداني. ارتعشت يدي، ليس خوفًا وإنما إدراكًا أني لن أفعل. أنا حتمًا لن أفعل… لستُ بقاتلة… أو على الأقل لم أصبح واحدة بعد.

"وكما قتل قابيل أخاه هابيل، نحن نسل قابيل الفاسق. نحن ننتشي برؤية الدم، لكن بعضنا كبت شهواته، أمّا بنو هوذة فعبدوها."

تلا كلامه ضحكات مخبولة، وبنبرة حاولتُ فيها إخفاء ارتعاش صوتي نطقتُ:

"قلتُ حرّره وكفّ عن التخريف."

"تخريف؟؟؟"

استدار لي غير آبه بالسكين الذي انغرس في لحمه أكثر، جاعلًا بقعة الدم تتوسع.

"إنها وصية من الأولين… وصية ممّن شهد قيامة الغاج وممّن عاش زمن الفساد."

"وصية بأن نحرق بني هوذة لمنع الكارثة!!!"

شرع الجميع في الهتاف في آن واحد، ومعه تغيّرت المقطوعة التي تعزف:

"سنرجم نسل هوذة!!"
"نسل هوذة سيرجم لنمنع التاريخ من أن يتكرر!!!!"

خرسوا، وبصوت أجش تكلم الراهب، وبكلمات أشبه بوعد سينفذ، وإن عنى هذا أن يقدّم روحه فداءً:

"قضيتُ الخمس والستين سنة من عمري أبحث عن من سيظهر كمختار من نسل ذاك الفاجر، ولن أضيع المزيد وهو يلهو ويسرح أمامي."

وبيده اليسرى أمسك بالسكين غير آبه بيده التي باتت تنزف.

"الحلقة يجب أن تتوقف هنا. اكتفينا من تكرار القدر… ذاك القدر الملعون الذي يكبّلنا!"

.
.
.
.
.

«يتبع»

~لَعٌنِةّ آلَغُآجّ~حيث تعيش القصص. اكتشف الآن