اتسعت حدقتاي رعبًا، وتجمدت قطرات العرق الباردة على جبيني، وبيدي اليسرى حككت مؤخرة رقبتي بتوتر وأنا أحاول النهوض متفادية بذلك نظراتها الغريبة.
نظرات فارغة من كل ما هو آدمي، عيناها صارتا أشبه بحفرتين بلا قاع. كلماتها كانت أشبه ببيان على سؤال، وكأنها تسرد لي مصيرًا محتوما أو حقيقة واضحة... حقيقة يدركها الجميع ما عداي أنا.
استقمت في جلستي، ونفضت الغبار عن ثيابي، وعضضت شفتي السفلى. وبمنديلي القماشي ضمّدت جرح ذراعي النازف.
استدرت لأغادر متجاهلة تصرفاتها التي لا تنم عن الوعي بصلة، إلا أنها أمسكت رسغي بقبضة استمرت في التقلص. حاولت التملص منها، لكن بلا جدوى.
تلوت ملامح وجهي ألمًا، وها هي ذي تضغط على معصمي بقوة جعلتني أشك أنه سيكسر، قوة... لا يمكن أن تكون لإنسية.
أمالت رأسها، وقابلتني بعينيها السوداوين الخاليتين من البياض. اقتربت من أذني وهمست بصوت جعل شعر بدني ينتصب رعبًا:
"ونسل هوذة يجب أن يُستأصل، وبنو هوذة يتوجب أن يُمحَوا، لكسر اللعنة يجب أن يختفي بنو هوذة."
ابتلعت ريقي بتوتر، وكأني بهذا أخفف جفاف حلقي المفاجئ. حاولت التخلص من قبضتها، إلا أنها استمرت في الضغط أكثر.
وهنا تخلل مجال أبصاري ذاك العطر المألوف... رائحة خشب الصنوبر، القهوة السوداء، ودخان السجائر. عطر ساحر في تناقضه.
كنت سأشمئز عادة، إلا أني أرخيت كتفي براحة، فها هي ذي تلك المخبولة تترك يدي وترسم على محياها تلك الابتسامة المصطنعة.
انحنت باحترام لمن يرفع شفتيه في ابتسامة ناعسة ويخفي يده اليسرى في جيب بنطاله العسكري، وباليمنى يحمل خنجرًا مزخرفًا بدقة.
نفس خنجري الذي سرقه مني سابقًا. وضعه على ذقنها، ما جعل الأخرى ترفع رأسها نحوه، وبعينيها العسليتين قابلت سوداويتيه وهي ترسم على ثغرها تلك الملامح العفوية.
"كنت أطمئن عليها."
اتسعت ابتسامته المستمتعة، وضغط على الخنجر أكثر حتى ينزف ذقنها، فتسقط دماؤها على الأرضية الخشبية.
إلا أن تلك الغريبة لم تُبدِ انزعاجًا، وإنما انحنت له باحترام وكأنها بذلك تستأذنه قبل أن تنصرف.
أزال الخنجر عنها واستدار مغادرًا، وفي منتصف الطريق توقف وكأنه انتبه لي:
"مبروك يا ابنة دامل، لكن القدر لا يبتسم للقطة الفضولية دائمًا... الفضول يقتل صاحبه."
أكاد أجزم أني لمحت تلك الابتسامة المنتشية على ثغره. أنزل رأسه مركزًا على الخنجر في يده اليمنى، وأما اليسرى فأخفاها في جيب بنطاله الفحمي.
سار في الرواق، ومن بين شفتيه يهرب ذاك اللحن الكلاسيكي القديم. وصوت خطواته الثقيلة كان بمثابة إضافة متقنة للمقطوعة.
أخرجت نفسًا لم أكن أعلم أني أكتمه، وأنا أرى تلك المعتوهة تغادر الممر. طقطقت معصمي وشتمت تحت أنفاسي.
رفعت رأسي لأتفقد الفتحة التي سقطت منها، وابتلعت ريقي رعبًا... السقف سليم وكأنه لم يُمس. وكأني لم أسقط من هناك بتاتًا.
فلولا ألم كتفي لما آمنت أن ما مررت به واقع. قررت طرد تلك الأفكار والإسراع بالخروج من المهجع، والذي أجزم أنه مهجع الرهاب.
رفعت قلنسوتي مغطية بذلك ملامحي، فحتما لست في مزاج لمقابلة ذاك العجوز المتغطرس، ليس وذهني مشوشًا بتلك الرسومات أولًا، ثم بغرابة الفتاة.
وبعد خطوات أدركت أنها ليست الغريبة فقط... ها هم الرهاب يتنقلون بين الأروقة بأعين جوفاء وكأنهم مغيبون عن الواقع.
ارتطمت بأحدهم، فمددت له يدي كي أساعده على النهوض، ويا ليتني لم أفعل.
"آسفة سيدي، هل أنت على ما يرام؟"
تحولت نظراته لأخرى حادة، كره وحقد وكأني قتلت أهله. وبغضب بحت نهض وغادر وكأني لم أكن موجودة.
زفرت، وأخذت إحدى عباءات الرهاب المعلقة في الرواق وكأني بذلك سأخفي هويتي. سارعت خطواتي وواصلت السير في الممرات دون وجهة.
"بئسًا... كلها متشابهة."
تمتمت تحت أنفاسي وأنا أدرك أني درت حول نفسي للمرة الثالثة على التوالي. زفرت بضيق، وقررت أن أستجمع شجاعتي وأتبع أحد أولئك المجانين لعله يقودني للخارج.
وهنا يجب أن يكون هذا درسًا لي كي لا أطبق أفكاري الارتجالية. ها أنا ذا أتبع راهبًا يرتدي سلسال صليب ويغطي وجهه بقلنسوته البيضاء، في يده يحمل الإنجيل، وبالأخرى كيسًا أسود اللون.
سار في الممرات وتبعته مع ترك مسافة معتبرة، وها نحن ذا في قسم الغرف. فتحت الأبواب بالتتالي، وخرج من كل شقة من يرتدي عباءة سوداء اللون ويحمل الصليب في يده. ساروا بالتتابع خلف ذاك الأكبر منهم، ووسطهم اندمجت أنا.
توغلت في المنتصف، وتهادت لمسمعي تلك التمتمات السريعة... وما هي إلا لحظات حتى تبينتها:
"خادم هوذة سيُنفى."
سرنا بخطوات ثابتة لننزل لدرج يقود لما يشبه القبو المظلم. فُتح الباب المعدني مصدرًا صريرًا، وهنا رأيته.
تعالت الصرخات:
"خادم هوذة سيُنفى، خادم هوذة سيُنفى!"
فُتحت الكتب وبدأوا في تلاوة نصوص من الإنجيل المحرّف، صرخوا بها.
وأمامهم كان ذو الشعر الفضي يتلوى ألمًا، مكبلًا بالسلاسل للجدار، وخلفه رمز الصليب وتمثال لملاك ساقط.
فور أن التقت زيتونيتاي بزرقاويه، رسم تلك الابتسامة المطمئنة. هدأت صرخاته، وهمس بصوت أجش أدركت وقتها أني فقط من يسمعه:
"غادري فورًا."
نبرة كان يتخللها القلق أكثر من الأمر، إلا أني رفضت تركه ورائي، ليس وهو قد فداني بروحه...
وفي لحظة غضب اقتربت من الراهب، حانية رأسي مخفية ملامحي، ومن أمامه أخذت ما لم يلمحه... متظاهرة بترتيل نصوص إنجيلهم المحرّف.
.
.
.
.
«يتبع»
أنت تقرأ
~لَعٌنِةّ آلَغُآجّ~
خيال (فانتازيا)تسأل نفسها ماذنب ذاك الذي ولد منبوذا لما كتب عليها الفناء ليعيش الغير....لما عليها الإطفاء ليشتعل الغير ... لما عليها الإحتراق ليبصر الغير.... فمابال الدنيا تطعنها كلما حاولت النهوض .... فمابال تلك الروح تتآكل ... فمابال الحياة وهي تسلب أغلى ماتم...
