p34

16 4 1
                                        


"وكيف نجحتم؟"

نطق من يدخل القاعة متأخرًا كعادته، وهو يخفي إحدى يديه في جيب بنطاله الفحمي، وبالأخرى يعدّل خصل شعره الذهبية المبللة وكأنه خرج للتو من الاستحمام.

لوّح بيده لتلك التي تستمع للحوار بتركيز، وكأنها بهذا تحاول صنع سيناريو تقريبي لما يدور في مخيلة ذاك الشيطان المدعو دانيال.

وهي موقنة أنها لن تنجح، فبحقكم، كيف ستقرأ ما يدور في خلد من عاش الأمرّين في طفولته وشهد جلّ أنواع العذاب؟

ابتسم من يتوسط الطاولة وأخذ نفسًا طويلًا، ثم ألقى برأسه للخلف في حركة درامية ليجذب انتباههم أكثر.

"كنت أنتظر من يسأل، وها هي ذي إجابتك الشافية."

.
.
.
.
.

غابة خالية من كل أشكال الحياة، وأشجار ذابلة أغصانها أوهى من أن تكون عكازًا، فما بالك بسلاح.

وافدون فقدوا أملهم بالنجاة، فقوانين اللعبة أبسط من المتوقع: "إما أن تفوز، أو تموت على يد تلك الأفعى الضخمة."

منهم من تخلّت عنه قدماه، فسقط على ركبتيه منتحبًا، ومنهم من تراجع للوراء بذهول وحاول الركض خارج الحلبة.

وكما كان متوقعًا، ارتدّ إلى الداخل، وببساطة أنشأ حاجزًا يفصلهم عن العالم الخارجي، ولن يزول إلا بفوزهم أو بموتهم.

ابتلعت تلك الأفعى العملاقة الجثة المدمّاة بشراهة، ثم حوّلت نظرها إليهم، وتحديدًا لأولئك الجمع الذين تجمّدوا بجانب البركة.

بكت تلك الفتاة التي لم تتجاوز العشرين من عمرها وهي تستنجدهم وتصرخ برعب. ضربت ساقيها عدة مرات تحاول الوقوف، فلم تقدر.

استدارت لهم ورمقتهم بأعين متوسلة، لكنهم أشاحوا بوجوههم بعيدًا عنها، فكيف سينقذونها وهم لا يقدرون على إنقاذ أنفسهم؟

مالت تلك الحية الضخمة، ومرّرت لسانها الرنّان حول جسد تلك المسكينة، نازلة دموعها الساخنة تصف خوفها، إلا أنها لم تجرؤ على الحركة أو التوسل.

وفي ثوانٍ، كانت في فمها وبين فكيها، وهنا أطلقت آخر صرخة لها. أنزلوا رؤوسهم بخجل وقلة حيلة، ونزلت تلك الجمرات تصف عجزهم ومصيرهم المحتوم.

وبينما تقترب تلك الأفعى الزاحفة من ثالث وجبة لها، نفخت سُمًّا في اتجاههم جعل حوالي سبعة منهم أشبه بتماثيل من الزجاج، وهنا ابتلعتهم دفعة واحدة بلا مقاومة.

ركض الباقون بعشوائية وكأنهم بهذا يؤخرون مصيرهم، غير مدركين أنهم بمثابة نمل مقارنة بها.

وهنا، بينهم، كان يقف ذاك الأشقر يحاول تحليل كل خطوة، موقنًا بل مؤمنًا أن غيس لن تضعهم هنا دون مخرج، وكان محقًّا.

لمح تلك الأغصان الذابلة وقد تشكّلت عليها طبقة صلبة أشبه بالكريستال. سار نحوها وأخرج من جيبه منديلًا أبيض، وحمل ذاك الغصن بيده يتفحصه، وكما توقّع، كان الغصن صلبًا وحادًّا، يفي ليكون بمثابة سلاح. استدار للباقين وصرخ فيهم:

"اجمعوا الأغصان التي تعرّضت للسُّم، إنها حادّة!"

لم يكن لديهم القابلية للاعتراض أو الشكوى، وما هي إلا لحظات حتى وقفوا جميعًا خلفه وهم يمسكون تلك الأغصان بأيدٍ مرتعشة.

ابتسم وانطلق نحو الأفعى العملاقة، ليتبعه حوالي ربع العدد مندفعين بشجاعة صُنعت من لبّ اليأس.

غرسوا أسلحتهم في جلدها، وهنا كانت الصفعة بالنسبة لهم: جلد الأفعى كان صلبًا لا يُخترق.

تحرّكت تلك الحية بحركة لولبية نافضتهم عنها كما يُنفض الذباب. سقطوا أرضًا ممسكين بأجسادهم ومستندين على تلك العصي البالية.

وهنا نطقت تلك الفتاة، التي من مظهرها تدرك أنها دودة كتب، بنبرة مترددة غير مدركة أن معلومتها هذه ستنفض عنهم سحابة الموت التي تحيط بهم:

"العصي مغطاة بمادة الكريستال، هذا معناه أن هذه أفعى الكريستال العريقة."

تحوّلت الأنظار نحوها في نظرات مترجّية ومتوسلة. كانوا يريدون التشبّث بذلك الخيط الرفيع الذي مُدّ لهم من قعر اليأس، ناسين وجود تلك الأفعى التي تتلوّى بجانب رؤوسهم، وكأنها تتلذذ بدبّ الرعب في أوصالهم.

"في كتاب قرأته عن الكائنات النادرة في المملكة، تحديدًا في الصفحة 519..."

أغمضت عينيها تحاول رسم تلك الصورة التي تأبى أن تتشكل في محياها، وها هي ذي ذاكرتها تخونها للمرة الألف. عضّت شفتها السفلى بهستيرية حتى أدمتها، وازدادت تلك الأصوات اللحوحة طالبةً إياها أن تُسرع.

وهنا، تكلمت بسرعة وكأن المعلومات ستختفي لو تنهدت:

"أفعى الكريستال كائن ظهر مرة في غابات غيس، لم يُروَ عنه الكثير، غير أنها محاطة بحراشف صلبة لم تكسرها أجود الأسلحة."

رمقتهم بنظرات معتذرة، وكأنها توصل لهم أن هذا ما تعلمه. رمقوها بتأنيب، فهي بهذا لم تضف لمعلوماتهم شيئًا، غير أنها أضاعت وقتهم في ترّهات اكتشفوها.

وبينما اقتربت تلك الأفعى منهم، صرخ أحدهم ليجذب انتباههم جميعًا:

"أسفل رأسها هناك ما يشبه حجرة لامعة!"

توجّهت الأنظار للأفعى، وتبادلوا نظرات صامتة بينهم. لم يحتاجوا للكلمات أو الوعود قبل أن ينقضّوا عليها.

ثلاثة منهم جعلوا أنفسهم طُعمًا لها، وسبعة آخرون تسلّقوا ذيلها وغرسوا تلك الأغصان بين حراشفها، ليجعلوها بمثابة دعامات لذاك الأشقر الذي تسلقهم وواصل طريقه إلى الحجر المضيء.

حشر الغصن فيه ورمى بثقله ليجعله يتعمّق، وهنا سقطت تلك الأفعى ميتة، وفور ارتطامها أرضًا أُزيل الحاجز، ودخل دانيال ومعه أولئك الأربعة وهم يصفقون كمن استمتع بذاك الفوز العظيم.

أما أولئك الجدد، فقد سمحوا لأنفسهم بالانهيار، جاعلين تلك الأرض بمثابة دعامة لهم، لتنزل دموعهم صامتة حدادًا على رفاقهم الذين دُنّست جثثهم.

وهنا فقط أدركوا أنهم ليسوا سوى مجرد أدوات أو بضاعة بالنسبة لغيس، وعندما تفسد الأداة تُستبدل. لذا توجب عليهم أن يرفعوا مستواهم، فمَن يبقَ أو ينزل، يُستقصى مقدّمًا بذلك روحه فداءً.

وها قد دخلوا 25، وخرج منهم فقط 10.

عشرة فقط نجوا ليعيشوا بتأنيب الضمير إلى آخر يوم لهم.

~لَعٌنِةّ آلَغُآجّ~حيث تعيش القصص. اكتشف الآن