p49

14 3 1
                                        


استند على سور الشرفة الخشبي المطلي بالأبيض، في تناقض تام مع لون سوداويته. ابتسامة شبه منتشية طغت على ملامحه، وحماس وسعادة أتت من العدم...

لكني سرعان ما غيرت رأيي، ها هو ذا يحدق في الجثة تزامنًا مع تلك الترنيمة القديمة التي لا تفارق شفتيه. مرر يده اليسرى في خصلاته الفحمية وابتسم، بينما بالأخرى مسح بقع الدم من على السور بسعادة.

رفع نظره لتلتقي أعيننا في مشهد أشبه ما يكون بالصياد والطريدة. زيتونيتاي كانتا أشبه بغابة استوائية هبت عليها عاصفة هوجاء.

سأكذب لو قلت إنها لم تكن خوفًا، فها هي ذي رعشة دبت في جسدي مع تلطيخ حذائي بتلك البقعة من الدم التي تتسع شيئًا فشيئًا.

أما هو، فكانت نظراته الفارغة عادةً مستمتعة. عيناه السوداوان الناعستان دبت فيهما الحياة، وتحركت شفتاه لتشكل حروفًا أبت أن تصدر صوتًا، إلا أن فحواها كان واضحًا:

"والآن أخذت علاجي من الأرق."

وهنا فقط لمحت تلك الهالات الطفيفة كدليل على معاناة صامتة، وكأس الهواجس تلاحقه لسنوات.

أمال رأسه لتتساقط تلك الخصلات الطائشة على الجانب، تاركة تلك الخانة التي تقبع تحت عينه اليسرى تظهر. وبصوت أجش متحمس نطق وهو يوجه نظراته نحو صاحب الشعر الناري:

"أتخالون أني أحمق؟ أو دمية "ماريونيت" قديمة صدئة؟"

ضحكة ساخرة هربت من حلقه ليميل، وبنظرات تحولت للجدية رمقه:

"أنا من يحرك البيادق فوق الرقعة، وأنا من يلعب بالخيوط من وراء الستارة. ومن يكسر القاعدة أو يحاول الالتفات دون إذني..."

"يكسر!"

بنظرات ناعسة أشار للجثة أرضًا، وكأنه بهذا يرسخ فكرته في أذهاننا. وبطرف عيني لمحت نواه.

بيده اليسرى دلك رقبته بتوتر، وابتلع ريقه في محاولة بائسة لترطيب حلقه. يبدو أن كلمات دانيال كان لها وقع صادم عليه.

ارتعشت شفتاه وكأنه يحاول إيجاد الكلمات، لكنه نسي النطق من هول الصدمة. عدل وقفته وحاول تجنب نظرات من يقف على السور ويبتسم باستمتاع.

مد دانيال يده لجيب سترته الفحمية وأخرج قداحته المزخرفة. وضع السيجارة بين شفتيه وسحب نفسًا طويلًا.

أعاد رأسه للخلف وأطلق سحابة من الدخان، أغمض عينيه، وبصوت أجش نطق:

"أفتظنني أحمق؟ أم مستهترًا؟"

ابتسامة مصطنعة رسمها الآخر على ثغره، وبنبرة أبت أن تخفي توتره رد عليه بصوت حاول جعله رزينا فأبى:

"يا صاح، هذا ليس وقت مزاحك الثقيل."

رمى السيجارة أرضًا ودعس عليها بحذائه العسكري ذي العنق الطويل. أمال رأسه، وبدل أن ينظر لنواه حول نظراته إلي:

"أمزح؟ ومتى كنت المهرج وسط المسرحية؟ أي نظام تغلغل فيه الخونة سقط، ونحن لا ننوي الاختباء خلف قلعة أسوارها من الرمل. أوليس كذلك يا ابنة دامل؟"

قطبت حاجباي بحيرة ورمقت نواه وكأني آمل أن ألاقي تفسيرًا، فما لاقيت سوى الرفض. شحب لونه وزاد توتره، وأراهن أنه وضع رأسه بين فكي النمر.

ببرود رمقت ذاك الشيطان، وهنا رأيت ما جعلني أفتح ثغري ذهولًا.

من ورائه تشكلت سحابة رمادية، وعلى ظهره برز جناحان أشبه ما يكونان بشبكة عنكبوت سميكة داكنة. فرد جناحيه ووقف على السور ليندفع صوب نواه الذي لم يلقَ فرصة للالتفات، وها هي ذي قبضة دانيال تضغط على رقبته، وأقسم أني سمعت صوت طقطقتها.

ازرقت شفتاه وانتفضت قدماه، وبكلتا يديه حاول إبعاد قبضة دانيال التي تضيق حوله أكثر فأكثر لكنه لم يفلح.

ركضت صوبه دون وعي وأمسكته من ظهره أحاول سحبه لكنه لم يتزحزح قيد أنملة.

"دانيال، ابتعد! ستقتله!!!!"

صرخة هستيرية هربت من ثغري وأنا أحاول بكل قواي سحبه دون فائدة. انتفض نواه وشحب لونه، حاول التمتمة لكن كلماته خرجت متقطعة:

"د... عن... ي... أش... رح..."
"د... دانيال... نح... ن... أصد... قاء..."

لكن الآخر لم ينصت. ابتسامته اتسعت وكأنه مستمتع بكل لحظة، وشعوره بنبض نواه يضعف تحت راحتي يده كان له بمثابة متعة شخصية.

اتسعت ابتسامته وزاد من ضغطه. صراخي كان له بمثابة رنين في الخلفية. هنا أدركت أني أتعامل مع مجنون يأبى أن يتوقف.

بدأت مقاومة ذاك المسكين تقل، وأوشكت جفناه أن يغمضا وكأنه استسلم للموت. رمقت دانيال وكأنه سيتوقف هنا، إلا أن هذا المشهد لم يزده سوى جنونًا.

ضحكات ساخرة أطلقت من ثغره، وهنا فقط ذقت ذرعًا. لمحت غمد الخنجر يلمع تحت ضوء القمر، سحبته من سترته وبحركة مباغتة طعنته به في جانبه.

اتسعت حدقتاي بصدمة وعدت خطوة للوراء وأنا أمسك بالخنجر بيد مرتعشة. استدار نحوي.

تجمدت معالم وجهه، وأرخى قبضته على عنق نواه ليلتقط الآخر أنفاسه ويلقي علي نظرة شكر.

وضع يده على جانبه الأيسر ورفعها ليرى بقعة الدم، وهنا نظر لي وكأني فريسته:

"كيف تجرئين أيتها الجرذ!!!"

هسهس بين أسنانه المرصوصة، ونطق نحوي كذئب جائع ينوي افتراس غزال خائف. تشكلت عروق سوداء على ذراعه اليمنى ونمت له مخالب حادة. أسقطني وبجناحيه حاوطني وكأنهما قفص من معدن.

وهنا فقط أدركت أن هذه ليست قوة آدمي. دانيال استعان بقوة شيطانه، أو بالأصح: دانيال وشيطانه شخص واحد.

وبأعين تدب غضبًا قابلني، وبمخالبه تلك قبض على عنقي. أغمضت عيني منتظرة لحظة فصل رأسي، لكن بدل هذا توقف.

صوت ضرب عصا خشبية جعله يتراجع للخلف بعناد، يحني رأسه وكأنه وحش أسير.

وعلى الشرفة وقف رجل عجوز في التسعين من العمر، يستند على عصا خشبية بها رأس شيطان منحوت على المعدن.

لحية بيضاء طويلة، بذلة أنيقة باللون الأبيض، ووشاح أزرق على الجانبين. وبصوت أجش نطق ليخمد غضب دانيال أو ليقمعه:

"دانيال سيفار، من منحك الإذن أن تسرح وتمرح في أرضي كما تحب؟"

هنا فقط أدركت أن هذا هو رئيس "غيس" الحقيقي.

.
.
.
.

«يتبع»

~لَعٌنِةّ آلَغُآجّ~حيث تعيش القصص. اكتشف الآن