ليلة كان لحنها اصطدام تلك القطرات الهائجة بذاك الجبل الصخري، وما زادها جمالًا وإتقانًا كان صوت الرعد الذي غدا بمثابة لحن صاخب في الخلفية.
كهف اختبأ بين تلك التضاريس الجبلية، عازمًا على أن يبقى مكانه سرًا دفينًا، وكأنه يعد من يطأه أن يقضي آخر أيامه في صمت، بعيدًا عن أعين المترصدين.
ارتجف جسدها بردًا، لتداعب تلك الرياح الباردة جلدها، مضيفة برودة المطر أطنانًا. احمر طرف أنفها وازرقت شفتاها تطالبان ببعض الدفء فلم تلقه.
أغمضت عينيها من هول الصوت وكتمت نفسها. تسارعت دقات قلبها لتكون بمثابة ضرب طبول سريعة وسط أغنية حماسية.
اقتربت تلك الخطوات الثقيلة، وزاد معها ثقل الهواء في الكهف الضيق. تعالى ذاك الزئير الغاضب ليجعلها تتراجع للوراء خطوة، وكأنها بهذا ستهرب من ذاك المسخ الذي وطأت عشه بقدميها.
لعنت نفسها مليون مرة، فيا ليتها بقيت تحت المطر ولم تفكر في أن تطأ قدماها هذا الجرف الصخري الموحش.
زئير حاد جعلها تغمض عينيها وتبتلع ريقها ذعرًا. تشكلت قطرات العرق الباردة على جبينها، والتسقت تلك الخصل الهائجة بجانب ثغرها.
كتمت نفسها وكأنها بهذا ستجعل ذاك الوحش يبتعد. كوّرت أصابع يدها في قبضة بجانب خصرها، ضغطت عليها رعبًا وخوفًا حتى أدمتها، لتنزل تلك القطرات النبيذية فوق الأرضية مختلطة بسيل المطر الذي وجد طريقًا للدخول.
همست في نفسها منادية من يُفترض أن يكون خلاصها أو حاميها، إلا أنه لم يستجب. ردّدت ذكر اسمه كتهويدة سحرية ستنتشلها من قعر اليأس، لو فقط آمنت بصدق:
«نير، رجاءً...»
ارتعشت شفتاها لتهمس بتلك الكلمات وكأنها تتلو سرًا تأبى أن يسمعه أحد، وخصوصًا ذاك الكائن المبهم.
وكما وعد ابن سيفار ذاك، لم يستجب ولم يرد. ليس من عادته، وهو يدرك أنها ستلقى حتفها.
اخترقت صرخة متألمة أذنيها لتنزفا دمًا؛ صرخة عذاب ومعاناة، صرخة من يحترق في سابع أرض.
صرخة تميزها عن غيرها، لتنزل دموعها كجمرات تدفئ روحها. كانت تدرك ما يعنيه هذا أكثر من غيرها.
نير، ذاك المجنون، يحاول اختراق الحاجز رغم أنه يدرك أن هذا لن يسبب له سوى المعاناة. هذا فقط لأنها ترجته أن ينقذها، لأنها توسلت له أن يتدخل. ويا ليته كان أنانيًا هذه المرة... على الأقل لو فكر بذاته قبلها هذه المرة فقط.
فتحت عينيها بتردد في محاولة يائسة لكسر حاجز الخوف الذي غلّف قلبها كشرنقة أبت أن تتحطم.
شعرت بتلك الأنفاس الساخنة تبتلع برودة الرياح العاصفة، إلا أن ذاك الرداء الأسود الذي خيّم على الكهف منعها من التعرف على ذاك الكيان.
فتحت ثغرها وأدخلت الهواء لرئتيها، وكأنها بهذا تحاول تنظيم تنفسها في محاولة بائسة لاستئصال ذاك الرعب من كيانها، موقنة أنه ليس سوى رعب من المجهول.
فمن منا لا تخالجه تلك الهواجس السوداوية لو حُصر في مربع أسود وسط رقعة شطرنج مع كائن لا يدرك صنفه؟
وها هو ذاك البرق يضرب، ليكون بمثابة نور مؤقت سُلّط على الكهف، جاعلًا تلك الخائفة تبتلع ريقها، وترتسم على ثغرها ابتسامة لا تدري أتصِفها ذعرًا أم انتصارًا.
قد تكون ذعرًا لأنها تقف وجهًا لوجه أمام تنين هائج، لكنها لا تنكر أن هذه بمثابة فرصة قُدمت لها على طبق من ذهب.
وجود تنين هائج، وهذا قطعًا ليس من صدى المطر، وإنما وجودها هي كدخيل. وضعيته الدفاعية تلك، وكونه لم يهاجم فورًا، لا توحي سوى بأنه يحاول حماية شيء ثمين. وما الأثمن بالنسبة له من بيوض توشك على الفقس؟
دارت التروس في عقلها لتحلل الوضع في ثوانٍ، مدركة أن هذا التنين الأم لن يبقى على وضعه هذا لفترة طويلة. وها قد صدقت توقعاتها، ويا ليتها لم تفعل.
أطلق ذاك التنين زئيرًا حادًا جعل كل الأصوات تخرس احترامًا له. ولم يمر سوى بضع لحظات حتى أتاه الرد، وكان ذاك الرد الذي جعل تلك المتهورة تتجمد في مكانها وكأن أطرافها امتنعت عن الحراك.
صدى زئير أقوى وأشرس، ومن منظورها هذا تكاد تجزم أنه التنين الذكر. وبملاحظة بسيطة ستدرك أن أفضل خيار لها هو أن تأخذ إحدى البيوض وتفرّ بجلدها قبل أن يصل ويبتلعها نيئة.
حاولت التحرك، إلا أن جسدها تجمد رعبًا، وها هي ذي ترمق بمقلتيها ذاك العش الفوضوي الذي يخفي في داخله أربع بيضات ضخمة، وتسمع صوت اختراق تلك الأجنحة العملاقة للعاصفة، موقنة أنها ستلقى مصرعها لو لم تتحرك.
.
.
.
.
.
.
.
«يتبع»
أنت تقرأ
~لَعٌنِةّ آلَغُآجّ~
Fantasyتسأل نفسها ماذنب ذاك الذي ولد منبوذا لما كتب عليها الفناء ليعيش الغير....لما عليها الإطفاء ليشتعل الغير ... لما عليها الإحتراق ليبصر الغير.... فمابال الدنيا تطعنها كلما حاولت النهوض .... فمابال تلك الروح تتآكل ... فمابال الحياة وهي تسلب أغلى ماتم...
