p51

28 3 2
                                        

أنفاس مضطربة كطرب الطبول ليلة العيد، همسات متقطعة وضجيج جعلني أضم ركبتاي لصدري خوفًا، وليس سوى خوف من المجهول.

فجوة سوداء وكأني فقدت بصري على صورته، تمتمات تتعالى تدريجيًا وكأني وحيدة وسط مدرج صاخب.

أنفاس تدغدغ مؤخرة رقبتي، وأيادٍ تسحب شعري، أظافر حادة تتخلل فروة رأسي، ورائحة غريبة أشبه ما تكون للورق المحترق.

ضوء خافت اخترق مجال رؤيتي، هنا فقط تذكرت ما كانت تهمسه لي والدتي كترنيمة سحرية وكأنها كانت تريد ترسيخ هذه الفكرة في ذهني:

"ومن وسط الظلام يولد النور.... قد لا يكون واضحًا للكل.... لكنه كان موجودًا من البداية، الفرق أننا لم نرد رؤيته أو حتى السعي نحوه."

ولم يكن مصدر ذاك النور سوى لوحة زيتية في أحد الأركان، أو هل يصح لي تسميته ركنًا؟ فأنا لست سوى أسيرة لفجوة لا يتضح لها بداية ولا نهاية.

قطبت حاجبي باستغراب، فكيف للوحة أن تضيء؟ زحفت ناحيتها، محاولة التملص من تلك الأيدي التي تمسك ساقاي وتسحبني للخلف.

تساقطت دموعي بدون إذن لتطمس قناع القوة التي أقسمت ألا أزيله. تنهيدات خافتة هربت من ثغري، وارتعشت شفتي السفلى وكأنها ترفض أن أظهر ضعفي حتى لو كان لهذه الفجوة الحالكة.

زحفت ناحيتها، وبين دموعي رددت كلمات اعتادت أمي أن تهمس بها لي ليلاً. لطالما اطمأننت وقتها، وها أنا ذا أستند على ذكراها بعد أن صارت سرابًا:

"وكما هرب هانسل وغريتيل من براثن تلك العجوز الشمطاء، دومًا يجد المنكوبون فرصة للنجاة... السر فقط في أن تؤمن."

ابتسمت لنفسي وواصلت التقدم، فبطبعنا نحن البشر نفضل الاختباء جنب عمود إنارة وسط طريق مظلم على أن نجلس في قعر الظلام. وكأنها فطرة فينا... فطرة تربط الأمان بالنور.

وعندما اقتربت من تلك اللوحة، ذاك الإطار الخشبي الأنيق، توقفت مقاومة تلك الكائنات. وقفت بصعوبة على قدماي، وبفضول غصت في تفاصيل اللوحة..... تلك اللوحة التي بدأت تتحرك وكأنها فيلم في دار سينما قديمة.

همسات خافتة بدأت تتضح تدريجيًا، ومعها تلاشى ذاك الضباب الأسود كاشفًا عن كوخ خشبي دافئ.

مدفأة طينية وفحم مشتعل، وعلى النافذة قطرات ندى وبخار ماء يحجب الرؤية. أريكة جلدية بنية اللون وغطاء من الحرير الأبيض مرمي بإهمال على أطرافها، شموع تزين الجدران، وواحدة بعطر النعناع تحتل منتصف طاولة الطعام.

أدرت رأسي لألمح طاولة مستديرة بكرسيين، وعليها جلست طفلة في ربيعها التاسع، تجمع شعرها الداكن في ضفيرتين وتلعب بأرجلها، ضامة شفتيها في عبوس وكأن كل همومها اقتصرت على وجبة الطعام التي لم تجهز.

"أسرعي يا أماه... أنا جوعانة!"

وبتذمر نطقت، لتدخل من جعلني مرآها أمد يدي بشوق للوحة وكأني سأستطيع لمسها. تشكلت شفتاي في ابتسامة أبت أن تخفي حزنًا وانكسارًا، لتسقط دموعي ملطخة خديّ بعد أن كبتها غصبًا.

~لَعٌنِةّ آلَغُآجّ~حيث تعيش القصص. اكتشف الآن