صوت ذلك الكعب النبيذي يخترق ذاك السكون الذي يلف بعباءته على جدران غيس، داعب الهواء شعرها الذهبي القصير جاعلًا إياه يتمايل مخفيًا ذاك النمش الخفيف تحته، ضمت تلك المخطوطات لصدرها بحرص وكأنها تخفي بهذا أسرارًا أبت أن تبوح بها.
ركضت بين الأروقة مصدرة ذاك الصوت الأشبه بقرع الطبول يوم القصاص، وذاك النور الذي يتسرب من تلك المصابيح التي يُقدَّر عمرها سنوات جعل الرؤية شبه معدومة، مرت بتلك الأبواب المقفلة والتي ترسب عليها الصدأ وكأنها لم تُفتح لعقود من الزمن.
وانتشرت خيوط العناكب في أرجاء السقف وبين الممرات وكأنها بهذا تصنع ستارًا شفافًا أبى أن يُزال، توقفت وهي تلتقط أنفاسها وتنظر لتلك الغرفة الوحيدة التي يطغى على بابها طابع العصرية، طرقت الباب عدة طرقات وفتحته غير آبهة بالرد.
اقتحمت تلك الغرفة ووقع بصرها على تلك اللوحة الزيتية التي تشد انتباهها كلما زارت مكتبه، رمت المخطوطات المتناثرة على المكتب وهي ترمق من ينظر لها باستغراب ويريح ساقيه على مكتبه الفوضوي.
وضعت راحتي يديها على جانبيها وأدخلت الهواء لرئتيها لتبتسم وهي تنظر له بعينيها الزرقاوين وكأنهما البحر الهائج، أدار الآخر رأسه بملل وغطى أذنيه بكفيه في محاولة بائسة لحجب صوت من ستباشر بالحديث دون انقطاع.
بئسًا.
هو لا يريد أن تبدأ أمسية من نظرياتها حول تلك الطلاسم التي يستحيل أن تحلها، فلمَ تجعله يستمع لها دومًا؟ ببساطة لأنه الوحيد الذي يفهم ما تعنيه، وياليته لا يفعل.
لمَ لا يطردها كما يفعل مع البقية؟ لأنه حاول وبدون جدوى، هي دومًا تعود، وفي عقلها أسطوانة مكسورة أبت أن تتوقف قبل أن يتظاهر هو بالاهتمام ويتفاعل معها.
"دانيال احزر ماذا وجدت"
فتحت ثغرها وتكلمت بحماسة وهي تبحث بين تلك المخطوطات المتناثرة، ها قد بدأت ولن تسكت.
تفحصها بسوداويته الأشبه بحفرة بلا قاع أو ثقب أسود يبتلع كل من يطأه، وكأنه بهذا يحاول جعلها ترتبك كالبقية، لكنه يوقن أنها لن تخرس حتى يدق عنقها بيديه، وللأسف هي مفيدة الآن، لذا هو يدعها تتنفس بقدر ما تنفعه.
رفعت ورقة تحتوي تلك الخربشات غير المقروءة كعادتها، استقام هو في جلسته وأفرغ لنفسه كأس نبيذ أحمر قانيًا، قربه من شفتيه وارتشفه ببطء، تاركًا كل قطرة ترسم أثرًا من لهب يطفئ نار تلك الأفكار التي تعج في عقله.
نظر لها ببرود وهو يلعب بالكأس الزجاجي بين أنامله، وكأنه بهذا ينتظرها أن تترجم له تلك الشخابيط التي يُفترض أن تُسمى خطًّا.
تكلمت بحماسة و هي تحرك يديها في الهواء ببلاهة و كأنها بهذا ستوصل له أفكارها عبر التخاطر غير مدركة أنها الآن أشبه بمهرج في سيرك مبتذل
"المخطوطة الأولى تحتوي عبارات ناقصة، ولأني أنا نيلان استطعت أن أفكها، الأمر كان أبسط مما تصورت"
سكتت لبرهة، سحبت كرسيًا خشبيًا وقربته من مكتبه، جلست، أغمضت عينيها لبرهة تحاول تذكر الجزئية التي توقفت فيها.
"كنتِ تمدحين نفسك كالبلهاء"
ابتسمت وأكملت بنفس القدر من الحماس، وكأنها معتادة على ردات فعله الكفيلة بتحطيم نفسية كل باحث، لكن ليس هي.
"كما قلت، ولأني ذكية، ويجب أن تفتخر أني قبلت العمل مع غيس"
"أنتِ من جئتِ إليّ زحفًا على قدميكِ تترجّين أن أضمكِ لنا"
أضاف ساخرًا ومال بجذعه فوق سطح المكتب، جاعلًا سوداويته تتقابل بتلك الجوهرتين الزرقاوين لدقائق معدودة، قبل أن يحول نظره لتلك اللوحة الزيتية ويبتسم ببرود.
"على كل، توصلت لطريقة جعلتني أستنتج الكلمات الناقصة من التعويذة، الأمر كان أبسط مما تصورت، حذفت الكلمات وكأنها السطر الأوسط في جدول الاحتمالات، وبعد ليلة كاملة من التجربة توصلت لهذه"
بحثت لدقائق بين تلك الأوراق وناولته مخطوطة صفراء اللون وشبه متآكلة توحي بقدمها، سحبها من يدها واستقام في جلسته، وضيق عينيه، ترك كوب النبيذ جانبًا وركّز على تلك الكلمات التي أضافتها نيلان بحبر حديث.
قرأ المخطوطة عدة مرات، وطابق بين الكلمات القديمة والتي أضافتها تلك الشقراء، ابتسم بحماسة، وأخيرًا ها قد وجد حلًا لمخطوطة أرّقتهم لأكثر من سنة، لا، هو حتمًا لا يندم على استثماره المربح في نيلان.
"أحضري وعاء الشيطان"
لفت عينيها بضجر ووقفت تقابله بعناد.
"على الأقل اشكرني لعملي الجاد، وتلك صديقتي، ولديها اسم، أيها الشيطان الأرعن"
رمش عدة مرات وهو يحاول أن يستوعب أنها أهانته تَوًّا، إلا أنها لم تمنحه وقتًا للرد قبل أن تتركه وحده في تلك الغرفة الواسعة المزينة بتلك الثريا الفاخرة في المنتصف، وكأنها قاعة حفلات في قصر عتيق.
غرفة تواجدت التحف والمنحوتات الفخارية عند كل ركن من أركانها، مانحين إياها انطباعًا بالرقي، على عكس ذاك السرداب المظلم الذي يقود لها، غرفة فاخرة لطالما شعر أنها قفص ذهبي يخفي خلف قضبانه أيامه المظلمة.
---
أنت تقرأ
~لَعٌنِةّ آلَغُآجّ~
خيال (فانتازيا)تسأل نفسها ماذنب ذاك الذي ولد منبوذا لما كتب عليها الفناء ليعيش الغير....لما عليها الإطفاء ليشتعل الغير ... لما عليها الإحتراق ليبصر الغير.... فمابال الدنيا تطعنها كلما حاولت النهوض .... فمابال تلك الروح تتآكل ... فمابال الحياة وهي تسلب أغلى ماتم...
