p33

15 2 1
                                        

دخل دانيال وهو يخفي يده اليمنى في جيب بنطاله، وباليسرى يمسك عود التبغ ويقربه من ثغره، يأخذ نفسًا طويلًا ثم يُلقي بسحابة الدخان بلا مبالاة.

لفّ ذو الشعر الناري عينيه وسار بخطوات متثاقلة باتجاه طاولة تلك المستجدة، انحنى بجذعه، وارتسمت على ثغره تلك الابتسامة اللعوبة التي تميّزه.

"كيف يجدر بي تسمية تصرفك: جرأة أم غباء؟"

وضعت التفاحة بجانب الطبق، ونظرت له بعينيها الزيتونيتين، رمقته بتحدٍّ وعناء وكأنها تطلب منه بكل أدب أن يتنحّى من جانبها.

هي تدرك أنها الآن، وبتصرفها هذا، قلّلت من احترام القادة الخمسة للمنظمة، لكنها لا تهتم، ولن تقدّم ذرة من الولاء لهؤلاء السفلة.

عدّلت جلستها، وجعلت ظهرها مستقيمًا، وضعت رجلها اليمنى فوق اليسرى، ورفعت الشوكة بين إصبعيها ووجّهتها في اتجاه رقبته.

"أنا أجوان دامل، وبطبعي لا أنحني أو أقف تبجيلًا لأحد غير معتقداتي."

اتّسعت ابتسامته، وانحنى أقرب ليصبح وجهه مقابلًا لوجهها المدور، الأشبه بالبدر المكتمل. قابلت عيناه الحادتان، الأشبه ببحر من العسل، زيتونيّتيها اللتين تشعّان تحديًا وكبرياءً يأبى أن ينحني لحفنة من الحمقى الذين يرتدون لباس الكمال ويتلحّفون بمعتقدات أشبه ما تكون بكذبة من ذهب.

مرّر يده اليسرى على خدّها في حركة جريئة شبه متحدّية، هو يريد رؤية إلى أي حدّ سيصل كبرياؤها ذاك. تعالت الهمسات والتمتمات، وتوجّهت تلك النظرات المتسائلة حولهما، خصوصًا تلك الفتيات الثلاث اللواتي صرن ينظرن لها بابتسامة مشجّعة.

غمزت لها ذات الشعر البني، وكأنها تشاهد مشهدًا رومانسيًا في رواية سوداوية. شدّ دانيال على قبضته حول السيجارة، رماها على الأرض بانفعال، ودعس عليها.

"إذن دعيني أكن أحد معتقداتك."

نطق بنبرة لعوبة، وهو يمرّر إبهامه على خدّها باستفزاز، دون أن يقطع التواصل البصري معها.

رسمت ابتسامة ساخرة على ثغرها، وقبل أن تنطق وتبعده عنها، سبقها صاحب الشعر الفحمي.

اندفع دانيال لتكون خطواته أشبه بقرع طبول ثقيل وسط حفلة راقصة، مدّ يده وأمسك برسغ من يرمق تلك المستجدة بنظرات متحدّية.

"نواه، أبعد يدك عنها."

ترك الآخر ذقنها، واتّسعت ابتسامته وهو يمرّر نظراته لصديق طفولته الذي يرمقه بتلك الأعين السوداء الداكنة.

"هيا دانيال، أنا أتسلّى فقط."

رفع يده اليسرى باستسلام. أفلت ذو الشعر الفحمي معصمه، واستدار مغادرًا. تبعه الآخر وهو يضحك ويحاول استفزازه.

رمشت عدّة مرات، وهي تحاول أن تستوعب أن دانيال فعلاً أبعد عنها ذاك المزعج، قبل أن تعود للواقع على صورة تلك الفتيات وهنّ يتجمهرن حولها لتنهال عليها تلك الأسئلة التي لن تنتهي.

وبين الجموع، لمحت دانيال يغادر، ويليه من يُفترض أن اسمه نواه. توسط ذاك العجوز المنبر، وعلى جانبيه وقف التوأمان، ومن ثيابهما الأشبه بثياب القس، تدرك أنهما تلميذاه. صفق بيديه عدّة مرات ليجذب انتباههم.

تلاشت الحشود، وعاد كل منهم لمكانه في طاولات المطعم، لمحوه بفضول، وبعضهم بإرهاق، مدركين أن هذا البيان لن يكون من ورائه سوى الشقاء.

سعل عدّة مرات ينظّف حلقه، لينطق بصوت خشن وقور، طغى عليه الزمن ليزيده خبرة ووقارًا.

"جهّزوا أنفسكم، فقد ارتحتم بما فيه الكفاية. دعونا نظهر لمستجدّينا قوانين غيس التي تدبّ فيها هيبتها."

حنَى بعض الشباب رؤوسهم بتنهيدة محبطة، وآخرون حافظوا على تعابيرهم الجامدة، بينما بعضهم عدّل جلسته بتململ. أمّا هي، فقد ضيّقت عينيها بتركيز، واستقامت في جلستها باعتدال.

"بعد ساعتين بالضبط، فليكن الجميع في ساحة التدريب. لقد جهّزنا لكم احتفال استقبال يليق بأعضائنا الجدد."

ابتسم من يقف على جانب الراهب الأيمن، أما الآخر، فظلّت تعابيره جامدة، رافضة الإفصاح عمّا يدور في خلده.

استدار ذاك العجوز وغادر، تبعه التوأمان مغلقين الباب المعدني خلفهما. دبّت الحركة في تلك القاعة الواسعة، ونهض بعضهم من الطاولات وتوجّهوا للمستجدين ليتلوا عليهم قصصًا عمّا مرّوا به في أول يوم لهم.

ولم تفشل تلك القصص في دبّ الرعب في أوصالهم، عدا تلك العنيدة التي لم تكن هذه سوى بمثابة جمر فوق النار ليزيدها وهجًا. ابتسمت، وضخّ الأدرينالين في عروقها، مستعدة لما يُسمى بحفلة استقبالهم.

صعد أحد الشباب على الطاولة وصفّر ليجذب انتباه الباقين، ابتسم لهم بتلك الابتسامة التي تسبق كاتب روايات مخبول قبل بدئه في الكتابة.

---

…قبل سنة…

غابة ذابلة وأعشاب متآكلة، حيوانات متحلّلة ورائحة العفن زادت الهواء ثقلًا. وقف أولئك الخمسة، وفي مقدمتهم دانيال الذي تتسع ابتسامته الساخرة وهو يشير لتلك البحيرة الضحلة.

فتح ثغره وتكلّم بحماس، كمن يتلذّذ برؤية عذابهم:

"ستسبحون وتحضرون الأحجار المترسّبة في القاع، وبدون استخدام شياطينكم."

اقترب أحدهم من البحيرة وابتسم، خلع قميصه، وغطس في البحيرة، وهنا كانت الصدمة.

خرج من وسط البحيرة ما يشبه ثعبانًا ضخمًا أسود اللون، وهو يمسك بين أنيابه جثة ذاك الأرعن.

غطّت جموع من الإناث أفواههنّ برعب، أما الباقون، فظلّوا صافنين في تلك الجثة بذهول. تحرّكت عيونهم بهستيرية تصف رعبًا أبى أن يُمحى.

سقطت إحداهن على قدميها، وارتجف جسدها ذهولًا وخوفًا، لتنزل دموعها ساخنة تصف ثقل ورعب ما يواجهونه.

---

«يتبع»

~لَعٌنِةّ آلَغُآجّ~حيث تعيش القصص. اكتشف الآن