"سنكسر الحلقة، سأمنع هذا القدر الملعون من أن يتكرر!!!"
وبيديه العاريتين أمسك بنصل السكين حتى نزف دماً، وبعينين غائرتين لا تحملان سوى حقد، حدّق بي وكأنه يتوعد برؤية جثماني.
تغيّر اللحن للمرة الثالثة، وبدل تلك الهادئة عُزف لحن درامي بطيء. تقدّم طلابه واحداً واحداً وحاوطونا في دائرة.
أخرج كلٌّ منهم خنجراً يدويَّ الصنع وأشاروا به في اتجاهنا... بل صوبي.
ارتسمت على محياهم نظرات مبهمة، وعمّ السواد على أعينهم لتصبح فارغتين وكأنهما أعين دمى.
تراقصت ألسنة اللهب في الشموع، وتعالت صرخات نير في الخلفية.
"أجوان، اركضي! غادري فوراً!!!"
لكنني لم أتحرك، أكان هذا بسبب عنادي أو كبريائي؟ على كلٍّ، أنا الآن كعجل وسط قطيع ذئاب هائجة.
أنا الآن بالنسبة لهم مجرد عجل ارتدى زي الصياد وقتل أبناء قطيعهم، وهم سينتقمون لدمهم. فهل سيتوقف أحدهم ويدرك أنهم يهاجمون الشخص الخطأ؟
قطعاً لا.
فالغضب غشاوة تطمس الحقيقة، محاولة إخماد نار الثأر التي تتأجج محرقة صاحبها ومن حوله من شجيرات كانت لتنتج ثماراً حمراء ناضجة.
ابتلعت ريقي وأغمضت عيني اليسرى تزامناً مع اشتداد ألم كتفي، ويا لحظي، فها هو ذا الجرح ينزف من جديد.
"اللعنة، اترك السكين!!"
صرخت بغيظ وألم وأنا أحاول التملص من قبضته، فها هو ذا السكين الذي اعتبرته سلاحاً غدا بلا فائدة.
وكان ردّه أن ركل بطني بقوة لأسقط على ركبتيّ متألمة، وأفلتُّ السكين الذهبي. وفي لحظة مرّ فيها شريط ذكرياتي الحلوة والمرة، وأوشك ذاك السكين أن يخترق صدري، أغمضت عيناي بقوة منتظرة الضربة التي ستقودني لحدفي... لكنها لم تأتِ.
فتحت عيناي على مشهد ذي الشعر الأحمر وهو يكافح كي يمسك ذاك العجوز الثائر، إلا أنّ الآخر كان يقاوم وكأنه وحش هائج.
"«جوزيف»... توقف يا رجل!!!"
أظلمت عينا ذاك العجوز، وهربت من ثغره صرخة ليست بآدمية. وهنا فقط أدرك نواه أن ما يواجهه ليس صديقه المعهود.
وبمرفقه وجّه ضربة سريعة لعنق زميله ليسقط أرضاً مغمى عليه. تصاعد دخان أسود منه وسرعان ما تبخّر. ضيّق ذو الشعر الناري حاجبيه وكأنه أدرك ما يعنيه هذا، على عكسي التي صرت بمثابة متفرج في سيناريو لفيلم غموض.
وكالخرفان التي تتبع القطيع، تشتت تابعوه وتبادلوا النظرات الحائرة فيما بينهم. وكان السؤال يتردد دون أن ينطقوا به:
"أنطيعه أم نكمل ما بدأنا؟"
إلا أن نواه لم يحتمل التأجيل، وبعينين حادتين نظر لهم وكأنه يتوعدهم بالعقاب لو لم ينفذوا.
"خذوه لمهجع القائد هناك... سنصفي حساباتنا."
وفعلاً انصاعوا له. تقدم اثنان منهم وحملوه، أحدهما كان من يعزف على البيان. وفور أن ابتلعهم النور القادم من الباب، استدار الآخر وسار ناحية نير الذي كان يلتقط أنفاسه بصعوبة وكأنه عاد لتوه من رحلة في قعر الجحيم.
جلس على ركبتيه وتمتم ببضع كلمات لتنْفك الأغلال بسهولة وتسقط أرضاً. نهض ذو الشعر الفضي ودلّك مرفقيه، أعطاني نظرة أخيرة قبل أن يختفي ويوجّه آخر كلمة لنواه:
"سأردّ دينك، فالشيطان الأسير لا ينسى محسنيه."
ابتسامة لعوبة تشكلت على ثغر الآخر وكأن هذا كان مراده منذ البداية.
"أتمنى ألا تنسى."
وبأعين زرقاء داكنة وكأنهما البحر وسط عاصفة هوجاء، ابتسم نير وسط سحابة الدخان الكثيفة. ابتسامة كانت بمثابة قبول واستعداد صامت.
وفور أن ابتلعه ذاك الدخان الحالك، استدار لي من يجمع خصل شعره العلوية برباطة سوداء، وفي عينيه بريق لعوب.
"أعتذر عمّا بدر من زميلي ذاك، فهو متهور. لكن لسلامتك تجنبي المرور بمهجع الرهاب ثانية."
اتسعت ابتسامته ليكمل بغموض:
"وبقولي سلامتك أعني سلامتك العقلية قبل الجسدية."
هززت رأسي بقلة حيلة وأنا أضغط على جرح كتفي أحاول بذلك إيقاف النزيف.
"كيف وجدتني؟ بل كيف أنعمت عليّ برحمتك؟"
هربت ضحكة ساخرة من ثغري وأنا أقابل عسليتاه بخاصتي وكأني أبني جدراناً أختبئ خلفها.
فرك مؤخرة رقبته وأرخى كتفيه بتنهد، عدّل ياقة سترته الجينز ومدّ يده لي، ينوي مصافحتي.
"أنظري، لنبدأ من جديد... اسمي نواه، وأنت؟"
رسم على ثغره ابتسامة ودية قابلتها بشكوك، وكأني شبل خائف يختبئ خلف عصبيته.
زفر وأشار للخلف، لألمح ذاك التنين الصغير يطل علينا من الباب بتردد وكأنه يستأذنني كي يدخل.
"هو من أحضرني، ظل يزعجني كي أتبعه. أخبرته أني شخص مشغول لكنه عكّر يومي فلحقته."
مال باتجاهي، وبابتسامة لعوبة حدّق بي:
"ووجدت أميرة هاربة."
.
.
.
.
.
«يتبع»
أنت تقرأ
~لَعٌنِةّ آلَغُآجّ~
خيال (فانتازيا)تسأل نفسها ماذنب ذاك الذي ولد منبوذا لما كتب عليها الفناء ليعيش الغير....لما عليها الإطفاء ليشتعل الغير ... لما عليها الإحتراق ليبصر الغير.... فمابال الدنيا تطعنها كلما حاولت النهوض .... فمابال تلك الروح تتآكل ... فمابال الحياة وهي تسلب أغلى ماتم...
