ارتسمت على وجهه تلك الابتسامة الكئيبة التي تحكي ما رفضت الدموع أن تذرف لأجله.
زفر بضيق، ودلّك مؤخرة رقبته بيده اليسرى.
"أتمنى أن أكون قد أفدتكم."
رنّ صوته في أرجاء القاعة بنبرة معتذرة، كمن فتح جرحًا أبى أن يلتئم من الأساس.
تشجع وأزال عنه الشاش الأبيض، ملقيًا نظرة أخيرة عليه فداءً لمن ستكون عاقبتهم دماءً تروي أرض غيس التي تأبى أن تشبع.
منحه أرون نظرة أخيرة أشبه بكلمة شكر صامتة، ومشى بخطوات رزينة نحو تلك التي تتخذ الفراغ مرسمًا، تحاول من خلاله تصور ما ينتظره من رعب ودم.
وقف أمامها وفرقع أصابعه قبالة وجهها، كمن يوقظ مريضًا تحت التنويم المغناطيسي.
خرجت من شرودها وصنعت تلك الابتسامة التي تتقن تطريزها، مشكلةً جدارًا آخر بينها وبين صديق طفولتها الذي حفظ حيلها عن ظهر قلب.
سحب كرسيًا وجلس بجانبها، دون أن ينسى هوايته في تقديم ابتسامات مجانية لتلك الفتيات الثلاث الفضوليات.
غمز لهن، واستدار ليقابل ذات العينين الزيتونيتين.
وها هما على غرار عادتها صافنتان، وكأن هموم الكون أُلقيت على كتفيها، وهو لا يلومها.
ضرب كتفه بخاصرتها وابتسم لها في حركته التي صارت عادة معه.
أدركت فورًا ما يليها من وعد، ولم يخيب ظنها.
"لستِ مضطرة لرفع ذاك الثقل وحدك، يمكننا دومًا تقاسمه."
ابتسمت له، وهذه المرة ارتسم على ثغرها ابتسامة صادقة، بلا تكليف أو مبالغة.
فهي أدركت أنه، ورغم تغير الزمن والعالم، إلا أن سندها ظل ثابتًا بعناده الطفولي ذاته، عازمًا على أن يتشاطرا الأيام المرّة قبل الحلوة.
تلك الأيام الحلوة التي اندثرت مع أنقاض قريتهم البالية، واحترقت مع رماد أرضهم المندثرة.
نظرت إلى الساعة على الجدار، ورسمت الجدية على ملامحها.
أمامهم نصف ساعة تفصلهم عن اللقاء.
استقامت وغادرت القاعة مع باقي المستجدين من أبناء منطقتها، معطيةً نظرة أخيرة لذاك الأشقر الذي ما لبث أن غادر هو الآخر.
سارت بخطوات ثابتة.
دوّى ثقلها فوق سطح الأرشية المعدنية، ليكون بمثابة قرع طبول ثقيل، على غرار نبضات قلبها المتسارعة.
ليس خوفًا، وإنما حماسًا ورغبةً في استكشاف المجهول.
ذاك المجهول الذي أبى أن ينفض عنه سحابة الضباب، ويجب عن تساؤلاتها التي تقتحم مخيلتها كل ليلة.
فتحت باب شقتها المشتركة المكونة من غرفة نوم وحمام.
نزعت سترتها العسكرية، ورمتها بإهمال فوق مرتبة السرير الناصعة، معطيةً نظرة خاطفة للفوضى التي أحدثتها نيلان خلفها.
زفرت بضيق، ودلّكت جبينها بضجر.
بئسًا!
هي تكره الفوضى، بل تمقتها.
لكن بحق الخالق، هي الآن لا تقوى على الترتيب... ليس الآن.
أنت تقرأ
~لَعٌنِةّ آلَغُآجّ~
خيال (فانتازيا)تسأل نفسها ماذنب ذاك الذي ولد منبوذا لما كتب عليها الفناء ليعيش الغير....لما عليها الإطفاء ليشتعل الغير ... لما عليها الإحتراق ليبصر الغير.... فمابال الدنيا تطعنها كلما حاولت النهوض .... فمابال تلك الروح تتآكل ... فمابال الحياة وهي تسلب أغلى ماتم...
