p32

16 3 1
                                        


سماء زرقاء داكنة، أبت الشمس أن تلقي بخيوطها على تلك البقعة من الأرض.
أرض لعنة، فصارت تلك الكرة المضيئة بمثابة أساطير لاقت سطورًا في كتب الأولين، كتبٍ كانت بمثابة قصص نوم للأطفال الحالمين برؤيتهم لتلك الكرة الملتهبة التي يخالون أنها نصف القمر المفقود.

أعشاب ذابلة مائلة للسواد، وأشجار تآكلت. نباتات أبت أن تنمو في تلك الأرض العقيمة لتحلّ مكانها تلك النباتات السامة.
أفاعٍ اتخذت الغابات والأغصان أعشاشًا لها، وتنانين جعلت من قمم الجبال مغارات تُخبئ فيها كنوزها.

بشر – وإذا صحت تسميتهم – فسيكونون منبت غذاء لتلك الكائنات المجنحة.
ووحوش تسربت من ثغرات عبر الأسوار لتزيد عليهم الطين بلّة.

والآن، ها هي ذي بين حدود منظمة "غيس"، تحاول تمالك نفسها.
دلّكت جبينها بضجر، ووقفت في الصف حاملة ذلك الطبق المعدني، منتظرة دورها بملل.

جابت بنظرها أرجاء غرفة الطعام المزدحمة: طاولات خشبية، وكراسٍ مبعثرة، وأربعة مصابيح تتدلى من السقف لتنير القاعة بذلك الضوء الأصفر الباهت.
جدران طُليت بلون شاحب أشبه بغرف السجن.

حوارات سطحية، تكاد تجزم أنها محورها.
دلّكت رقبتها بضجر، تحاول التخلص من ذلك الشعور المقرف الذي يراودها كلما كانت وسط تجمع...

الكل ينظر لها... الكل يخترقها بنظراته.
تشعر أنها مكشوفة أمامهم، وكأنها وسط منصة مسرح أبت الستارة أن تُسدل وتنهي العرض.

ارتعدت الصينية بين أناملها وهي تحاول محو تلك الأحاسيس التي تقسم أنها لا تعود لها.
فتحت ثغرها وتنفست بثقل، تشكلت قطرات العرق على جبينها، وأصبحت رؤيتها شبه ضبابية.

أغمضت عينيها لعدة لحظات، تحاول محو ذلك الوهج الذي يتشكل حولها.
التفّ الموجودون حولها وكأنهم سرب نحل تجمهر قرب العسل.

وجوه شاحبة طغى عليها البياض، وأعين واسعة كأعين الدمى، إذا ركزت فيهما تخالهما بئرًا بلا قاع أو بداية لسرداب قديم.
يرتدون ثيابًا بيضاء فضفاضة بالكاد تغطي شيئًا لقصرها، ترسبت عليها الأتربة والرمال، وكأنها كانت تحت التربة لعقود من الزمن.

اقترب أحدهم أكثر، مدّ يديه المتآكلتين الأشبه بأيدي دمى العرض المسرحية وتحسّس رقبتها.

أغمضت عينيها وكأنها بهذا ستحجب تلك اللمسات عنها، وكانت مخطئة.
صار لهم الحرية الآن.

شعرت بأنفاس ضحلة تداعب مؤخرة رقبتها، وتلك الأيدي الباردة تجذب خصلات من شعرها الأسود.

همهمات، وكأنها طريقتهم في التواصل، وهمسات خافتة لم تميزها، صوت أجش أشبه بجر أداة معدنية فوق أرضية حجرية:

"ليس هو، بل جزء ضائع من روحه."

قطّبت جبينها بحيرة، تنفست بعمق تحاول طرد تلك المخاوف والتركيز مع تلك التكهنات.

~لَعٌنِةّ آلَغُآجّ~حيث تعيش القصص. اكتشف الآن