PART 18

1.7K 100 0
                                        

قاد دايفد سيارته نحو العاصمة طوكيو، تتقاذفه المشاعر، بين القلق والترقّب، وبين الأمل والخوف. العنوان الذي سلّمه له الرجل العجوز لم يفارق يده طوال الرحلة، وكأنه مفتاح لبوابة قدر تغيّر مساره منذ عقدٍ من الزمن.

رنّ هاتفه فجأة، قطع عليه خلوته مع أفكاره.

دايفد: ألو؟

سوزان (بقلق واضح): دايفد؟ أنا سوزان. هل كل شيء على ما يرام؟ هل وجدت أدريان؟

دايفد (بصوت مطمئن): اقتربت… لا تقلقي، سوزان.

سوزان: وماذا عن المنزل؟ هل أُخبر والداك بشيء؟

دايفد: لا تقلقي بشأنهم. هل أخبرتهم بشيء؟

سوزان: نعم، قلت لهم إنك في مهمة عمل طارئة، وستغيب قليلاً.

دايفد: ممتاز… أنت الأفضل، كما هو متوقّع منك.

وصل دايفد إلى طوكيو مع حلول الليل. المدينة كانت تلمع بكل ضوءٍ ممكن، ناطحات سحاب وشوارع مزدحمة، ولوحات إلكترونية تنبض بالحياة. مشهدٌ ساحر، لكنه لم يكن ما يشغل ذهنه.

دايفد (في نفسه وهو ينظر من نافذته): طوكيو… مدينة الأضواء فعلاً، لكني لا أبحث عن أضواء المدينة… بل عن ضوءٍ واحدٍ فقط: أدريان.

قاد دايفد إلى العنوان المكتوب على الورقة. وصل أخيرًا، وتوقّف مصعوقًا من المنظر:

منزل صغير متهالك، نوافذه محطمة، وبابه مكسور جزئيًا. بدا وكأنه مهجور منذ سنوات.

دايفد (مذهولًا): لا يعقل… مستحيل أن أدريان يعيش هنا! هذا لا يُشبهه بشيء…

رغم الشك، تقدّم نحو الباب، وطرق عليه بخفة، قلبه يطرق أقوى منه في صدره.

مرت لحظات… ثم فُتح الباب.

خرجت فتاة شابة، عيناها متعبة، لكنّها لم تحتج لأكثر من لحظة واحدة لتتذكر.

إيفا (مندهشة): دايفد؟! أنت… مستحيل… هل أنا أحلم؟ كيف وصلت إلى هنا؟!

قبل أن تلتقط أنفاسها، جاء صوت من الداخل:

أدريان: إيفا؟ من الطارق؟

اقترب، وعيناه تبحثان عن وجه مألوف… ثم تجمّد في مكانه، وعيناه تتّسعان بدهشةٍ لم يعرفها من قبل.

أدريان (بهمس): د-د-دايفد…؟

وما إن نطق اسمه، حتى هرع دايفد إليه، وعانقه عناقًا طويلًا، عناق من عاد من غيبوبة الحنين، وأمسك بجسده القوي، كما لو كان سيذوب منه.

دايفد (بصوتٍ خانق بالعاطفة): اشتقت إليك… يا قطتي الصغيرة.

إيفا بقيت واقفة على عتبة الباب، لا تقول شيئًا. الموقف تجاوز قدرتها على الفهم أو الحكم.

إيفا (بجفاف): لماذا عدت الآن؟ بعد كل هذا الوقت؟ لا تظن أنني سأسامحك أو أراك بعين الماضي… لقد أخطأت كثيرًا.

دايفد (ملتفتًا إليها): لم أكن أملك رقم أدريان… صدقيني، ضاع مني، وفقدت كل وسيلة للتواصل.

أدريان (بحدة): هذا هو عذرك؟ كان بإمكانك أن تبحث عني، أن تكتب لي، أن تحاول بأي طريقة.

دايفد (بصوت مكسور): الأمر لم يكن بهذه البساطة… أهلي منعوني من الخروج، من استخدام المال كما أشاء. كنت محتجزًا، لا جسدًا… بل حرية. فقررت أن ألعب لعبتهم، أن أكسب ثقتهم، أجمع المال، وأنتظر اللحظة التي أبحث فيها عنك كما ينبغي. لو لم أكن أحبك، لما فعلت كل هذا.

إيفا (ببرود): أياً يكن.

دايفد (يلتفت): لكن أخبراني… ماذا تفعلان هنا؟ هذا المنزل… ما قصته؟

أدريان (بصوت خافت): مررنا بظروف صعبة… خسرنا عملنا، ثم مدخراتنا… اضطررنا لترك منزلنا القديم. لا أريد تذكّر التفاصيل، كل شيء يجرّني للاكتئاب.

ثم صمت لحظة، وقال:

أدريان: سأخرج قليلاً… أحتاج بعض الهواء.

خرج أدريان من المنزل، وتبعته الريح الباردة. كان الشارع هادئًا، إلا من ضجيج داخله. مشى قليلاً، ثم جلس على مقعد صغير في حديقة شبه مهجورة.

لم يستطع دايفد البقاء. تبعه، بخطوات سريعة.

دايفد: أدريان، أنا هنا… الآن. أستطيع مساعدتك، أستطيع أن أكون سندك. لماذا كل هذا الغضب؟

أدريان (بصوت يائس): عشر سنوات يا دايفد… عشر سنوات وأنا أفكر بك كل ليلة. صرت تحلم بي، وأحلم بك… وكنت أستيقظ في الصباح فاقدًا الإحساس بأي شيء. أصبت باكتئاب حاد. نعم، نحن "أصدقاء"، لكن قل لي: لماذا أشعر تجاهك بكل هذه المشاعر؟ لماذا لم تختفِ صورتك من قلبي؟

صمت دايفد للحظة، ينظر إلى عينيه المليئتين بالدموع، ثم اقترب.

مدّ يده بهدوء، أمسك وجه أدريان، وقبّله قبلة طويلة، صامتة، لكنها حارقة بما يكفي لتذيب عشر سنوات من المسافات.

كانت قبلة اعتراف. ليست عشوائية، ليست اندفاعًا. بل حكاية كاملة، قيلت بشفاهٍ صامتة.

مدّ يده الأخرى، مداعبًا خصلات شعر أدريان بخفة.

أدريان بقي جامدًا في مكانه، وجهه يشتعل، وقلبه يضرب صدره كما لو أنه يُقرع من الداخل.

دايفد (بصوت مبحوح): لا تغضب مني… لقد وجدتك، ولن أسمح لأحد أن يفرقنا مجددًا. أنا أحبك يا أدريان… أحبك بكل صدق. أنت حبي الأول… والأخير.

انهمرت دموع خفيفة من عيني أدريان، لا دموع حزن، بل دموع الفرح، دموع من وجد الجزء المفقود من روحه.

من بعيد، كانت إيفا تقف خلف النافذة، تراقب المشهد… وابتسامة خفيفة ترتسم على وجهها.

ثم عاد أدريان إلى الداخل، بهدوءٍ جديد، يحمل بين يديه قدر الأرز ويساعد إيفا في تحضير العشاء… وكأن شيئًا ما في قلبه، بدأ يُشفى.

أفسدني برغبتهحيث تعيش القصص. اكتشف الآن